للبشر تاريخٌ دموي، حافلٌ بالصراعات، تحفه المآسى من كل النواحى، جانبٌ كبير من التاريخ الذي يشكل عالمنا اليوم كان مبنياً على الصراعات التى تحدث فى فترات التمرد والثورات والاضطرابات التى أججت نار الفوضى التى كانت سلماً للكثير من الطامحين والطامعين للوصول إلى السلطة، وحبل مشنقة يحيط بأعناق الجبناء والسذج والشرفاء ويكتب سطور نهايتهم، عن مجازر البشر الشنعاء بمختلف أجناسهم فى مختلف أقطار الأرض للوصول إلى السلطة يدور كتابنا.
مع كل فصل جديد وقصة ثورة مختلفة نستطيع ملاحظة أوجه التشابه:
- ضعف الحكام والنرجسية الزائدة التى تشكلت من النفاق والتملق الذى تصبه الحاشية فى آذانهم، وعدم اهتمامهم بالشعب واستهانتهم واستهتارهم بقوة التعبئة الشعبية القادرة على زعزعة الاستقرار، وعدم النظر فى أقوال أصحاب الرأى الواقعي والصادق الذى يكون مكروهًا أكثر لدى الحكام.
- وجود تراكمات من الشحن والغضب قبل الانفجار الحقيقى وتمرد الشعب الذى يبدأ عادة بشكل بسيط ثم يتفاقم، فقد يستغرق تخزين البارود وقتًا ولكن لحظة انفجاره تحدث بلمح البصر.
- وجود القائد والرمز الذى يقود العاصفة ويراه العامة رمزًا لثورته -والذى يكون فى غالب الأحيان لصالحه الشخصي- فلن تكتمل الثورة البلشفية بدون لينين وتروتسكي بجواره، ولن يشتعل لهيب الثورة الفرنسية بدون دانتون وروبسبيير وألعابهم السياسية، ولا كوبا بدون كاسترو ولا إيران بدون الخميني وغيرهم، وفى العديد من المواقف التاريخية تم التدليل على أن التمرد والانتفاضة بدون القائد والرمز مكتوب لها الأفول بأسرع حتى من ولادتها.
- الأكثر جرأة وقسوة يفوز: فى كثير من الأحيان كان يمكن لمسار التاريخ أن يتغير وقياسه لو قرر لويس السادس عشر استخدام العنف لإجهاض الثورة فى مهدها ولكنه يرفض طريق الدم، الذى رحب به روبسبيير والمتمردون بكل سهولة، ولنا فى نيكولا الثانى مثال آخر الذى لم يتوانى أعدائه فى تصفيته وعائلته بأشنع الطرق وكان بإمكانه اتخاذ قرار أكثر دموية فى وقتٍ مبكرٍ، ونرى هذا فى شخصية رضا بهلوى شاه فارس حين استهان بقوة آية الله الخميني وقوة السلطة الدينية عموما، ودفع الثمن بطرده حرفيًا من قصره وبلاده.
يخبرنا التاريخ أن آخر الملوك هُزموا لأنهم لم يجرؤا على سلوك طريق القمع والدماء،والذى لم يجفل أعدائهم عند سلوكه حينما أُتيحت لهم الفرصة.
- احذر ففى الكثير من الأحيان تأكل الثورة أبنائها -كما قال الثورى الفرنسى بيار فكترويان- : هى حقيقة غفل عنها الكثيرون أتصور أن الطاغية المتيم بفلسفة جان جاك روسو ماكسميليان روبسبيير فى سيره محطم الفك نحو المقصلة لم يتصور أن ما فعله بأعدائه وشعبه هو دين سيرده لا محالة، أو نهاية تروتسكي وحيدًا بعد ما أجبره ستالين على الرحيل وأجهز عليه، والمرأة القوية روزا لوكسمبورج التي ثارت ضد الحرب وانتهى بها الأمر مقتولةً، وجيفارا الذى ظل مفتونًا بفكرة الثورة حتى عجز عن إيجاد من يدعمه ويفهمه فى بوليفيا.
كل فعلٍ تقوم به هو دين ستسدده عاجلًا أم آجلًا لا محالة وكلما ظننت أنك ستنجو من هذه القاعدة الكونية، تذكر أن جميعهم قال فى نفسه "لا.. لست أنا"
أكثر موقف يحضرني فى الكتاب كانت الجملة التى قالتها مدام رولان وهى من كُبريات المتحمسين للثورة الفرنسية عندما نظرت لتمثال الحرية فى طريقها إلى المقصلة وقالت؛ "إيه، أيتها الحرية، كم من الجرائم يرتكبونها باسمك!"
نهاية مدام رولان دليل آخر على أن الثورة تأكل أبنائها، وعلى أن الطاغية هو مناضل ووطنى إذا كان شره وطغيانه مبررًا باسم الله أو الوطن أو الحرية كما يدعون.
من المشاهد المؤثرة أيضًا والتى أبدع الكاتب فى توصيفها مشهد موت نيكولا الثانى آخر قياصرة روسيا وعائلته، ومشهد موت جيفارا وأيامه الأخيرة فى المدرسة ومن بين جميع الثورات والإخفاقات الواردة بالكتاب تبقى فى نظرى ثورة أكتوبر الأحمر -الثورة الشيوعية- هى الأبرز فى القرن العشرين والتاريخ المعاصر كونها كانت شعلة لعديد الثورات الشيوعية فى مختلف العالم، وساهمت فى خلق قوة عظمى جديدة هى الاتحاد السوفيتي اقتسمت سيادة العالم مع الولايات المتحدة لقرابة النصف قرن فى زمن الحرب الباردة ما جعلها الأكثر استدامة وتأثيرًا.
فى النهاية الكتاب رائع احتوى على سرد تاريخى بشكل قصصي ماتع فى وقت، وبأسلوب التحقيقات الصحفية -التى هى مهنة مؤلفه- فى أوقات أخرى، بشكل سهل ومبسط للجميع وفى نفس الوقت بعيد عن السطحية والاختزال لذا استحق النجوم الخمس، مع كامل الشكر للمترجم.
Sep 19, 2022 - Oct 2, 2022