الرحلة الناقصة : مذكرات فاطمة المحسن، الطبعة الأولى صدرت في 2021 عن دار الجمل- بيروت .
"الرحلة الناقصة" مزيج من المذكرات والسيرة الذاتية يقرأ بمتعة كبيرة، فأسلوب فاطمة المحسن السلس الشاعري أحيانا، وقدرتها الفائقة على السرد يأسران القارئ بغضّ النظر عن المضمون. هذا الكتاب قسمته فاطمة المحسن إلى ثمانية فصول سمّتها موتيفات، وختمته بفصل عن شريك حياتها عالم الاجتماع العراقي فالح عبد الجبار عنونته ب"أوراق ومدونات الرحلة الناقصة" بعد أن أهدت كتابها هذا إليه، ووضعت في الأخير ملحقا لصورها في مختلف أطوار عمرها.
من خلال مذكراتها نتعرف تفصيلا على محورين أساسيين أولهما المدن والمنافي التي عاشت فيها وهي ليست قليلة، فنجد بيروت السبعينيات والحرية التي كانت تتمتع بها ودمشق وهي المدينة التي أحبتها فاطمة وإيران محطتها الأولى بعد هروبها مع ابنتها الصغيرة من العراق، كما نجد بودابست عاصمة هنغاريا بجمالها الساحر حيث مكثت خمس سنوات حصلت فيها على الدكتوراه في موضوع "التجديد في الشعر العراقي سعدي يوسف نموذجا" ولندن التي عاشت فيها سنين طوالا ولا تزال والتي تقول عنها «لم أجد في البلدان الأخرى ما يمكن أن أسميه وطني، وعدا بريطانيا التي أدين لها بحب يشبه حب الوطن، كنت أشعر أن كثيرًا عليّ الانتساب إليها كمواطنة مكتملة». دون أن ننسى مسقط رأسها الناصرية في جنوب العراق التي عاشت فيها طفولتها الأولى، وبغداد التي شهدت انتماءها الحزبي وكتابتها في الجرائد ونشاطها النسوي وشهدت أيضا سجنها وتعذيبها وهروبها ، وكتبت مرة ثانية عن بغداد التي لم تعرفها بعد رجوعها إليها من غربة امتدت ثلاثين سنة. فهذه المدن كلها التي تقلبت فيها كانت "قبض ريح" كما عنونت الفصل الثاني من مذكراتها.
والمحور الثاني الذي استأثر بصفحات كثيرة من كتابها كان عن جيل الستينيات العراقي بأحلامه وخيباته فقد كتبت عن معظم الفاعلين فيه من صحفيين وشعراء ومناضلين حزبيين بحياد لأنها لم تكن تنافس هذا الجيل في شيء وهي من الجيل الذي تلاه، وفي الكتاب انطباعات أقرب إلى التحليل النفسي لرواد مثل سعدي يوسف وزهير الجزائري وسركون بولص وفوزي كريم وصادق الصائغ رصدت كل ذلك بعين ناقدة ذكية، فيها حب دون سقوط في المبالغات، حتى تكاد تكون هذه المذكرات سيرة المثقفين العراقيين في المنافي. تتسم مذكراتها بالصراحة ولو كانت عليها فهي مثلا تتحدث عن علاقتها غير الجيدة بأبيها وأنها كانت لا تحبه أو هي من عائلة لا يقولون لبعضهم البعض صباح الخير، وفيها حديث عن سجنها وتعرضها للتعذيب. كما تحدثت عن إصابتها بالسرطان ورحلة العلاج الكيماوي في لندن. أما فالح عبد الجبار فكان حاضرا في كثير من صفحات الكتاب حبيبا وزوجا ورفيق نضال ومفكرا وأستاذا ومحاورا ، وخصصت الفصل الأخير لوفاته وغيابه الذي هو حضور دائم فيها لخصته بهذه الفكرة الدالة على علاقتهما «كتبت مذكراتي بعد مرضي وأهديتها إلى فالح عبدالجبار كان عنوانها «الرحلة الناقصة»، سألني: لماذا هي ناقصة؟ كنت على ثقة بمعرفته قصدي، ولكنه رفض أن تخلف رحلتي موعدها، وما كنت أظن أنه هو الذي سيتركها على نقصانها. رحلة عمر معه فكيف لي أن أتذكر الآن نتفًا منها".
فاطمة المحسن: كاتبة وناقدة عراقية. انتمت إلى الحزب الشيوعي العراقي، وعملت محررة بجريدة "طريق الشعب" سجنت لفترة ثم هربت إلى إيران وأقامت في لبنان وسوريا والمجر وفيها حصلت على الدكتوراه وبريطانيا. كتبت كثيرا في الصحف كالحياة والرياض لها مؤلفات عن الأدب العراقي مثل "أدب المنفى - دراسة في الأدبيات العراقية"، "سعدي يوسف النبرة الخافتة في الشعر العربي الحديث" و"تمثلات الحداثة".