دموع البلياتشو .. آخر رسائل عبد الغفار مكاوي
مروان خليفة
تطرح الأعمال التي تُنشر لأول مرة دائمًا تساؤلات عِدة؛ هل من حقنا إخراج الإبداع الذي أراده المؤلف حبيس أدراجه، إلى الجمهور؟ وهل عدم نشره في حياة المؤلف يعني أنه غير راضٍ عنه؟ أم هي تصاريف الحياة وترتيب القدر؟
عندما راجعتُ المراسلات التي جَرت بيني وبين الدكتور عطيات أبو السعود قُبيل نشر هذه المجموعة، وجدتها حازمة، ودقيقة، ظهر ذلك عندما سألتها عن العنوان التي تريده أن يظهر على الغلاف، أجابت سريعًا: «دموع البلياتشو»، كذلك عند السؤال عن الترتيب الذي تريده للقصص داخل الكتاب، بدى وكأنه ترتيب المؤلف، لم يكن تقليديًا؛ فخرجت المجموعة كوِحدة واحدة.
« ظللت لفترة طويلة بعد هذا الرحيل المفاجئ لا أملك الشجاعة لدخول حجرة مكتبه — أو صومعته كما كنَّا نطلق عليها — وظلت غرفة مكتبه مُغلقة لفترة لا أتذكر مداها الآن، فلم أكن أستوعب أن أفتح الغرفة ولا أجده»
هكذا عبّرت الدكتورة عطيات أبو السعود في مقدمتها لمجموعة «دموع البلياتشو» القصصية، التي جمعتها بنفسها من أوراق الدكتور عبد الغفار مكاوي (1930م-2012م) —زوجها—، إذ جمعتها بعد فحص أوراقه الخاصة، وكأنها كُتبت لتُمثل الفصل الأخير من فصول حياة الرجل الذي عاش في الظل، وآثر العمل على الكلام، طوال اثنين وثمانين عامًا عاشها بين الفلسفة والشعر والقصة.
دموع البلياتشو .. مجموعة قصصية تُنشر لأول مرة
صدرت المجموعة القصصية «دموع البلياتشو» في طبعة إلكترونية عن مؤسسة هنداوي بالقاهرة عام 2020م، بعد أن جمعتها زوجته الدكتورة عطيات أبو السعود، وجاءت في مئة واثنين وتسعين صفحة، وتضم ثلاث عشرة قصة هم: الفرن، والقهوة، وبربارا، والأسد يموت، والديك، والشاعر، ولماذا نسيتني؟، وأحلام الفارس القديم في رحلة السندباد الأخيرة، وجلسة عائلية في الحديقة، والوصية، ودموع البلياتشو، وأوراق صينية، والحكيم يُملي دموعه المؤجلة.
مثَّلت مفردة «دموع» حضورًا قويًا في المجموعة القصصية تلك، فقد تكررت ست وعشرون مرة، في ثمانية من القصص الثلاثة عشر، حيث وردت مرة واحدة في قصة الفرن، ولماذا نسيتني؟، وجلسة عائلية في الحديقة، والوصية، ومرتان في قصة الأسد يموت، وخمس مرات في كل من قصة أحلام الفارس القديم في رحلة السندباد الأخيرة، وقصة دموع البلياتشو، وعشر مرات في قصة الحكيم يُملي دموعه المؤجلة.
ولعل تكرار مُفردة «الدموع» يقودنا إلى طريق نتلمس فيه أسرار هذه المجموعة، ونكشف من خلاله رموز آخر رسائل مكاوي، الذي فضَل أن تكون قصصًا قصيرة، وكأنه الحكيم الذي قرَّر أن يُملي وصيته دموعًا أجَّلها لحين.
ولظاهرة التكرار حواف نستطيع تحديد معالمها من تتبع استخدام لفظة «دموع» في مُجمل النص القصصي عند عبد الغفار مكاوي في مجموعته «دموع البلياتشو»؛ إذ يتضح مدى التناسق بين العبارات الواردة فيها كلمة دموع.
« ويعود كالمستيقظ من نوم متعب لكي يذكِّر امرأته بالنار، وبأن فرنها هذا الماثل أمامها ليس إلا شبحًا للفرن الذي أُعد للمذنبين، وللفقراء، وبأن دموع الندم وحدها هي التي تطفئ لهبه»
عن المجموعة القصصية
يظهر انحياز الدكتور عبد الغفار مكاوي إلى المهمشين والبسطاء في مجموعته القصية تلك، كما يظهر في أغلب ما كتب من قصة ومسرح، حتى أنه يظهر في ترجماته.
ففي قصة الفرن رمزية لحياة الفقراء التي تملؤها الحسرة والندم، فالنوم فوق الفرن يورث الراحة، لكن زينب ابنة الشيخ لم تفهم أن أباها كان يعني حين ادخر سبع جنيهات وأخرجها قبل وفاته، أنه كان يريد لها دخول فرن الزواج، وأن ثروته تلك كانت ثمنًا للاستمرار في العذاب والتيه، وتركها تُعارك أسئلتها عن مصير البائسين، فهل كُتب على أهل قريتها جميعًا أن يدخلوا الفرن كما دخلت؟
وفي قصة «القهوة» ينتقل مكاوي بالقارئ للغة أكثر سهولة، فهو ينقل فيها مشهدًا لأم أرهقها سلوك ابنها، شاب يشرب القهوة بدون سكر ويدخن بشراهة ويقرأ كثيرًا وينظر إلى سقف حجرته بالساعات.
تريد الأم أن تُخرجه من عالمه هذا، إلى عالم الشباب والزواج والأولاد، تريده أن يشرب قهوته بملعقة سكر أو اثنتين، تريده أن يكف عن التدخين، تريده أن يُفرِغ لها قلبه، ويخبرها عما يُحزنه، لكنه لا يريد شيء سوى القهوة المُرة؛ بدون سكر.
وفي قصة «الحكيم يُملي دموعه المؤجلة» يستحضر مكاوي رَوح الحكيم الصيني «لاو-تزو» وحكاية الكتاب الذي أملاه أثناء رحلته إلى المهجر، وكأن قصيدة « تاو-تي-كنج» التي كتبها برتولت برشت (1898م-1956م)، حاضرة كموسيقى تصويرية لكل مشهد رسمه فيها.
ثم حزَم ما يحتاج إليه:
متاع قليل، لكنه يضمُّ شيئًا من هنا ومن هناك:
الغليون الذي تعوَّد أن يُدخِّن فيه كلَّ ليلة،
والكُتيِّب الذي تعوَّد أن يقرأ فيه،
ومن الخُبز الأبيض على قدْر النصيب.
وكأن كتاب «تاو-تي-كنج: كتاب الطريق إلى الفضيلة» هو سِفره الذي ينتقي منه الكلمات والعبارات، ليُفسِّر آيِهِ عبر قصة الحكيم، وغلامه، وحارس الجمرك.
دموع البلياتشو .. بكاء خلف الضحكات
في «دموع البلياتشو» تبرز تلك النظرة الفلسفية السابغة على فكر مكاوي وأدبه، فـ «البلياتشو» ليس مجرد مُهرِّج وظيفته إضحاك الناس، بل رمز للعبث والتخبط.
فبعد أن ظل البلياتشو الذي أهداه له والده يومًا ما، مُجرد هدية وذكرى، اكتشف أنه صورة لوالده الذي طُرد من بيت أبيه بعد أن قرر العمل في السيرك، وتخبَّط في دروب الحياة، وتزوج وأنجب، وابتعد عن السيرك وأعماله، لكنه أبقى على تلك الصلة بينه وبين البلياتشو، وكأنه آخر حِبال الوُد بينه وبين رغبته القديمة في أن يُصبح مُهرجًا.
ليكتشف أخيرًا بعد إلحاح على والدته، أن والده هو البلياتشو، وأن دموعه سجلها كمذكرات، لكن لا سبيل لهذه المذكرات، غير البلياتشو الذي ترك، وكأنها دموع خلف ضحكات بائسة.