خير الصدف أن تشتري كتاباً تظنه لمؤلف معين فإذا به غير الذي نصبته في مخيلتك، هذه الصدفة التي جمعتني ثانية بعلي الجارم رحمه الله في الشاعر الطموح والتي كانت ألطف رواية تقع يدي عليها ... وهي أول رواية أقرأها لا أعلم عم تتحدث ذلك لثقتي بالجارم، فنعم التجربة كانت.
ولنحلّق معا في فيافي الرواية:-
- تدور أحداث الرواية عن الشاعر البديع المتنبي منذ أن كان في بلاط سيف الدولة وإلى مشاعره التي صرفته إلى مصر حيث كافور الإخشيد وهروبه منها.
- استطاع علي الجارم استعطاف مشاعري تجاه المتنبي الذي دُبرت له المكائد من الشعراء المعاصرين للمتنبي غيرةً منهم وحسداً، ومحال المتنبي لما فر من سيف الدولة، وحاله لما التقى بكافور وصعوبة اطراء المتنبي له، كل هذه المشاعر استطاع إيصالها الجارم لي بحرفية لا نظير لها.
- من أشد ما أشدهني في الرواية هي لغة الجارم التي جعلني مأسوراً بين معاجم اللغة تفسيراً لكثير من الكلمات ... لغة فصيحة جميلة للغاية لا تقعر فيها ولا اصطناع، وهذه تحسب للمؤلف رحمه الله حيث جعلني أرى لغة المتقدمين لكأني بينهم.
- بين لنا مدى خوف الأمراء من الشعراء والتي فاقت قوة الشعراء الجيوش الجرارة، فالكلمة كما قال أيمن العتوم: ( إن قلما واحداً حراً لكفيل لأن يهدم صروح الزيف ) وأنا أقول للدكتور أيمن أن قلماً واحداً يضع من شأن قبائل بأسرها، كالذي كان ينتسب إلى نمير فقال له جرير:- [فغض الطرف إنك من نمير .. فلا كعباً بلغت ولا كلاباً] فكان شأن أفراد القبيلة البراءة من هذه القبيلة، ببيت واحد كفل جرير بهدم قبيلة.
ومن مآخذي على الرواية أن الجارم لم يبيّن صبغة الرواية من حوارات في بادئ الأمر حتى ظننت أنه كتاباً لا رواية.
ومع ذلك فأني قد قيمت الرواية ٤,٥/٥
دونكم أيها المتلذذون بالنصوص الأدبية هذه الرواية التي أنصحكم بقراءتها وبشدة. ولزاماً على كل متخصص باللغة العربية أن يقرأ هذه الرواية ليتعرف على النقد الأدبي الحقيقي عند المتقدمين.
أكلاً هنيئاً أحبابي
ونجعل ختامها مسكاً مع المتنبي:-
بم التعلل لا أهل ولا وطنُ .. ولا نديم ولا كأس ولا سكن
أريد من زمني ذا أن يبلغني .. ما ليس يبلغُهُ من نفسهِ الزمنُ
لا تلق دهرك إلا غيرَ مكترث .. ما دام يصحبُ فيه روحَكَ البدنُ