كلُّ قلبٍ حملَ الخسفَ، وما
ملَّ من ذلِّ الحياة ِ الأرْذلِ
كُلُّ شَعْبٍ قَدْ طَغَتْ فِيهِ الدِّمَا
دونَ أن يثْأَرَ للحقّ الجلي
خَلِّهِ لِلْمَوْتِ يَطْوِيهِ!.. فَمَا
حظُّه غيرُ الفَناء الأنكلِ
________________
لَسْتُ أبْكي لِعَسْفِ لَيْلٍ طَويلٍ،
أَوْ لِربعٍ غَدَا العَفَاءُ مَرَاحهْ
إنَّما عَبْرَتِي لِخَطْبٍ ثَقِيلٍ
،قد عَرانا، ولم نجد من أزاحهُ
كلّما قامَ في البلادِ خطيبٌ،
مُوقِظٌ شَعْبَهُ يُرِيدُ صَلاَحَهْ
ألبسوا روحَهُ قميصَ اضطهادٍ
فاتكٍ شائكٍ يردُّ جِماحَهْ
وتوخَّوْاطرائقَ العَسف الإِرْهَاقِ
تَوًّا، وَمَا تَوَخَّوا سَمَاحَهْ
هكذا المخلصون في كلِّ صوبٍ
رَشَقَاتُ الرَّدَى إليهم مُتَاحَهْ
غيرَ أنَّا تناوبتنا الرَّزايا
واستباحَتْ حَمانا أيَّ استباحَهْ
أَنَا يَا تُوْنُسَ الجَمِيلَة َ فِي لُجِّ
الهَوى قَدْ سَبَحْتُ أَيَّ سِبَاحَهْ
شِرْعَتي حُبُّكِ العَمِيقُ وإنِّي
قَدْ تَذَوَّقْتُ مُرَّهُ وَقَرَاحَهْ
لستُ أنصاعُ للوَّاحي ولو مــتُّ
وقامتْ على شبابي المناحَة
ْلا أبالي.., وإنْ أُريقتْ دِمائي
فَدِمَاءُ العُشَّاق دَوْماً مُبَاحَهْ
وبطولِ المَدى تُريكَ الليالي
صَادِقَ الحِبِّ وَالوَلاَ وَسَجاحَهْ
إنَّ ذا عَصْرُ ظُلْمَة ٍ غَيْرَ أنِّي
مِنْ وَرَاءِ الظَّلاَمِ شِمْتُ صَبَاحَهْ
ضَيَّعَ الدَّهْرُ مَجْدَ شَعْبِي وَلكِنْ
سَتَرُدُّ الحَيَاة ُ يَوماً وِشَاحَهْ
_________
لا أنظمُ الشعرَ أرجوبه
رضاءَ الأميربِمِدْحَة ٍ
أو رثاءٍتُهْدَى لربّ السريرِ
حسْبي إذا قلتُ شعراً
أن يرتضيهِ ضَميري
لا أقرضُ الشعرَ أبغي به
اقتناصَ نَوال
الشِّعرُ إنْ لمْ يكنْ في
جمالِهِ ذَا جَلالِ
فإنَّما هُوَ طيفٌ
يَسْعَى بوادي الظِّلال
يقضي الحياة َ طريداًفي ذِلّة ، واعتزال
_____
ضعف العزيمة لحد في سكينته
تقضي الحياة بناه اليأس والوجل
وفي العزيمة قوات مسخرة
يخر دون مداها الشامخ الجبل
الناس شخصان: ذا يسعى به قدم
من القنوط وذا يسعى به الأمل
هذا إلى الموت والأجداث ساخرة
وذا إلى المجد والدنيا له خول
ما كل فعل يجل الناس فاعله
مجدا فإن الورى في رأيهم خطل
ففي التماجد تمويه وشعوذة
وفي الحقيقة ما لا يدرك الدجل
ما المجد إلا ابتسامات يفيض بها
فم الزمان إذا ما انسدت الحِيل
وليس بالمجد ما تشقى الحياة به
فيحسد اليوم أمسا ضمه الأزل
فما الحروب سوى وحشية نهضت
في أنفس الناس فانقادت لها الدول
وأيقظت في قلوب الناس عاصفة
غام الوجود لها واربدت السبل
فالدهر منتعل بالنار ملتحف
بالهول والويل والأيام تشتعل
والأرض دامية بالإثم طامية
ومارد الشر في أرجائها ثمل
والموت كالمارد الجبار منتصب
في الأرض يخطف من قد خانه الأجل
وفي المهامه أشلاء ممزقة
تتلو على القفر شعرا ليس ينتحل
______________
يقولـون: صـوت المسـتذَلِّين خـافتٌ
وسـمع طغـاة الأرض أطـرش أصْخَمُ
وفـي صيْحـة الشـعب المسخَّر زعزعٌ
تَخِــرُّ لهـا شـمُّ العـروشِ, وتُهْـدَمُ
ولَعْلَعـةُ الحـق الغضـوبِ لهـا صدى
ودمدمـةُ الحـربِ الضـروسِ لهـا فَمُ
إذ التــفّ حـول الحـقّ قـومٌ فإنَّـه
يصــرِّمُ أحــداثَ الزَّمـان ويُـبْرمُ
******
لـك الـويلُ يـا صَرْحَ المظالمِ من غدٍ
إذا نهـضَ المسـتضعفون, وصمّمـوا!
إذا حــطَّم المســتعبَدون قيــودَهم
وصبُّـوا حـميم السـخط أيَّـان تعلمُ..!
أغـرّك أن الشـعبَ مُغْـضٍ على قذى
وأنّ الفضـاء الرّحْـبَ وسنانُ, مظلمُ؟
ألاَ إنّ أحـــلامَ البـــلادِ دفينــةٌ
تَجَمْجَــمَ فـي أعماقِهَـا مـا تَجَمْجَـمُ
ولكــن ســيأتي بعـد لأي نشـورُها
وينبثـــقُ اليــوم الــذي يــترنّمُ
هـو الحـقُّ يُغفـي.. ثمّ ينهضُ ساخطًا
فيهــدمُ مـا شـادَ الظِّـلامُ, ويَحْـطِمُ
غـدا الـرّوْع, إن هـبّ الضعيفُ ببأسه
ســتعلمُ مــن مِنَّـا سـيجرفُهُ الـدّمُ
إلـى حـيث تجـني كفُّـه بـذرَ أمْسِه
ومُــزدَرِعُ الأوجــاعِ لا بـد ينـدمُ
سـتجرع أوصـابَ الحيـاة, وتنتشـي
فتصغــي إلـى الحـق الـذي يتكـلمُ
إذا مـا سـقاكَ الدهـرُ مـن كأسِهِ التي
قَرارتهــا صــابٌ مَريـرٌ, وعلقـمُ
إذا صُعِــقَ الجبّــارُ تحـت قيـودِهِ
يصيــخُ لأوجــاعِ الحيـاةِ ويفهـمُ!
______
الحُبُّ شُعْلَة ُ نُورٍ ساحرٍ، هَبَطَتْ
منَ السَّماءِ، فكانتْ ساطعَ الفَلَقِ
وَمَزّقتْ عَن جفونِ الدَّهْرِ أَغْشِيَة ً
وعن وجوه الليالي بُرقُعَ الغسقِ
الحبُّ رُوحُ إلهيٌّ، مجنّحة ٌ
أيامُه بضياء الفجر والشّفقِ
يطوفُ في هذهِ الدُّنيا، فَيَجْعَلُها
نجْماً، جميلاً، ضحوكاً، جِدَّ مؤتلقِ
لولاهُ ما سُمِعتْ في الكون أغنية
ٌولا تألف في الدنيا بَنْو أُفْقِ
الحبُّ جَدْولٌ خمرٍ، مَنْ تَذَوَّقَهُ
خاضَ الجحيمَ، ولم يُشْفِق من الحرقِ
الحبُّ غاية ُ آمالِ الحياة ِ،
فماخوْفِي إذا ضَمَّني قبرٌ؟ وما فَرَقِي؟
_______
سِرْ مَعَ الدَّهْرِ لا تَصُدَّنَّكَ
الأَهوالُ أَو تُفْزِعَنَّكَ الأَحداثُ
سِرْ مَعَ الدَّهْرِ كيفما شاءتِ
الدُّنيا ولا يخدعنَّكَ النَّفَّاثُ
فالذي يُرْهِبُ الحياةَ شقيٌّ
سَخِرَتْ من مصيرهِ الأَجْداثُ
______
البؤسُ لابنِ الشَّعبِ يأكلُ قلبَه
والمجدُ والإثراءُ للأغرابِ
والشَّعب مَعصوبُ الجفونِ مُقَسَّمٌ
كالشّاة بَيْنَ الذّئب والقَصَّابِ
والحقُّ مَقطوعُ اللّسان مُكَبَّلٌ
والظَّلمُ يمرح مُذْهَبَ الجِلبابِ
هذا قليلٌ من حياةٍ مُرّة
في دولة الأنْصابِ والألقابِ
_________
إذا الشعب يوما أراد الحياة
فلا بد أن يستجيب القدر
ولا بد لليل أن ينجلي
ولابد للقيد أن ينكسر
ومن لم يعانقه شوق الحياة
تبخر في جوها واندثر
فويل لمن لم تشقه الحياة
من صفعة العدم المنتصر
كذلك قالت لي الكائنات
وحدثني روحها المستتر
إذا ما طمحت إلى غاية
ركبت المنى ونسيت الحذر
ولم اتجنب وعور الشعاب
ولا هبة اللهب المستعر
ومن لا يحب صعود الجبال
يعش ابد الدهر بين الحفر
وقالت لي الأرض لما سالت:
ايا أم هل تكرهين البشر ؟:
أبارك في الناس أهل الطموح
ومن يستلذ ركوب الخطر
وألعن من لا يماشي الزمان
ويقنع بالعيش ، عيش الحجر
_________
أينَ يا شعبُ قلبُكَ الخَافقُ الحسَّاسُ؟
أينَ الطُّموحُ، والأَحْلامُ؟
أين يا شعبُ، رُوحُك الشَّاعرُ الفنَّانُ
أينَ، الخيالُ والالهامُ؟
أين يا شعبُ، فنُّك السَّاحرُ الخلاّقُ؟
أينَ الرُّسومُ والأَنغامُ؟
إنَّ يمَّ الحياة ِ يَدوي حوالَيْكَ
فأينَ المُغامِرُ، المِقْدَامُ
أينَ عَزْمُ الحياة ِ؟ لا شيءَ إلاّالموتُ
، والصَّمتُ، والأسى ، والظلامُ
عُمُرٌ مَيِّتٌ، وَقَلْبٌ خَواءٌ
ودمٌ، لا تثيره الآلامُ
وحياة ٌ، تنامُ في ظلمة ِ الوادي
وتنْمو من فوقِها الأوهام
أيُّ عيشٍ هذا، وأيُّ حياة ؟
!رُبَّ عَيْشٍ أخَفُّ منه الحِمَام
قد مشتْ حولَك الفصولُ وغَنَّتْكَ
فلم تبتهِجْ، ولمْ تترنَّمْ
ودَوَتْ فوقَك العواصِفُ والأنواءُ
حَتَّى أَوشَكْتَ أن تتحطَّمْ
وأطافَتْ بكَ الوُحوشُ وناشتْ
كفلم تضطرب، ولم تتألمْ
يا إلهي! أما تحسُّ؟ أَمَا تشدو؟
أما تشتكي؟ أما تتكلَّمْ؟
ملَّ نهرُ الزّمانِ أيَّامَكَ الموتَى
وأنقاضَ عُمرِكَ المتهدِّمْ
أنتَ لا ميِّتٌ فيبلَى ، ولا حيٌّ
فيمشي، بل كائنٌ، ليس يُفْهَ
مْأبداً يرمقُ الفراغَ بطرفٍ
جامدٍ، لا يرى العوالِمَ، مُظْلِمْ
أيُّ سِحْرٌ دهاكَ! هل أنتَ مسحورٌ
شقيٌّ؟ أو ماردٌ، يتهكَّمْ؟
آه! بل أنتَ في الشُّعوب عجوزٌ،
فيلسوفً، مُحطَّمٌ في إهابِهْ
ماتَ شوقُ الشبابِ في قلبِه الذاوي،
وعزمُ الحياة ِ في أعصابِهْ
وهناكَ.. اصطفى البقاءَ مع الأموات،
«في قبرِ أمسِهِ» غيرَ آبِهْ.
.وارتضى القبرَ مسكناً، تتلاشى
فيه أيَّامُ عُمرِهِ المتشابِهْ
وتناسى الحياة َ، والزّمَنَ الدّاوي
وما كان منْ قديمِ رِغَابِهْ
واعبدِ «الأمسَ» وادَّكِرْ صُوَرَ الماضِي
فدُنْيَا العجوزِ ذكري شبابِهْ...
وإذا مرَّتِ الحياة ُ حوالَيْكَ
جميلاً، كالزّهر غضَّا صِباها
تتغنّى الحياة بالشوق والعزم
فيحْي قلبَ الجمادِ غِنَاها
والربيعُ الجميلُ يرقصُ فوقَ
الوردِ، والعشبِ، مُنْشِداً، تيَّاهاً
ومشَى النّاسُ خلفَها، يتَمَلوْنَ
جمالَ الوجودِ في مرآها
فاحذرِ السِّحْرَ! أيُّها النَّاسكُ القِدِّيسُ
والربيعُ الفَنَّانُ شاعِرُها المفتونُ
يُغْرِي بحبِّها وهواها
وَتَمَلَّ الجمالَ في رِممِ الموتَى ..
!بعيداً عن سِحْرِهَا وَصَدَاها
وَتَغَزَّلْ بسِحْرِ أيَّامِكَ الأولى
وخَلِّ الحياة َ تخطو خطاها
وإذا هبَّت الطيورُ مع الفجر،
تُغنِّي بينَ المروجِ الجميلهْ
وتُحَيِّي الحياة َ، والعالَمَ الحيَّ،
بِصَوْتِ المحبَّة ِ المعسولهْ
والفَراشُ الجميلُ رَفْرَفَ في الرَّوْضِ،
يناجي زهورَهُ المطلولهْ
وأفاقَ الوجودُ للعمل المُجْدِي
ولِلسَّعي، والمعاني الجليلهْ
ومشى الناس في الشِّعاب، وفي الغاب،
وفوق المسَالكِ المجهولهْ
ينشدون الجمالَ، والنُّورَ، والأفراحَ
والمجدَ، والحياة َ النبيلهْ
فاغضُضِ الطَّرفَ في الظَّلامِ! وحاذِرْ
فِتْنَة َ النُّورِ..! فهيَ رُؤْيَا مَهولَة ...
وَصَبَاحُ الحياة ِ لا يُوقِظُ الموْتَى
ولا يَرْحَمُ الجفونَ الكليلهْ
كلُّ شيءٍ يُعَاطِفُ العالَم الحيَّ،
ويُذكِي حياتَه، ويُفيدُهْ
والذي لا يجاوِبُ الكونَ بالاحساسِ
عِبْءٌ على الوجودِ، وُجُودُهُ
كُلُّ شيءٍ يُسايرُ الزَّمنَ الماشي
بعزمٍ، حتى الترابُ، ودودُهُ
كلُّ شيءٍ ـ إلاَّكَ ـ حَيٌّ، عَطوفٌ
يُؤْنِسُ الكونَ شَوْقُه، ونَشيدُهُ
فلِماذا تعيشُ في الكون يا صَاحِ!
وما فيكَ من جنًى يستفيدُهْ
لستَ يا شيخُ للحياة ِ بأَهْلٍ
أنت داءٌ يُبِيدُها وتُبِيدُهْ
أنت قَفْرٌ، جهنَّميٌّ لَعِينٌ،
مُظْلِمٌ، قَاحلٌ، مريعٌ جمودُهْ
لا ترفُّ الحياة ُ فيه، فلا طيرَ
يغنّي ولا سَحَابَ يجودُهْ
أنتَ يا كاهنَ الظلامِ حياة
ٌتعبد الموتَ..! أنت روحٌ شقيٌّ
كافرٌ بالحياة ِ والنُّورِ..، لا يُصغي
إلى الكون قلبُه الحَجَرِيُّ
أنتَ قلبٌ، لا شوقَ فيه ولا عزمَ
وهذا داءٌ الحياة ِ الدَّوِيُّ
أنتَ دنيا، يُظِلُّها أُفُقُ الماضي
وليلُ الكآبة ِ الأَبديُّ
مات فيها الزّمانُ، والكونُ إِلاَّ
أمسُها الغابرُ، القديمُ، القَصِيُّ
والشقيُّ الشقيُّ في الأرض قلبٌ
يَوْمُهُ مَيِّتٌ، وما ضيه حيُّ
أنتَ لا شيءَ في الوجودِ،
فغادِرْهُ إلى الموت فَهْوَ عنك غَنِيُّ
__________