بحبكة بوليسيّة مميّزة تكتب واحة الراهب عن الأزمة السوريّة. ليست مصادفة أن يكون العنوان مجنونًا، كأحداث روايته وشخوصها وحيثيّاتها. هي لعنة الحرب... ربّما. لعنة الحرب التي تخصّب أرحام جماجمنا بنطفة الجنون، العبث، الشرّ... وحتّى القتل.
أبطال هذه الرواية ليسوا أبطالًا... كلّهم ضعفاء... نكّستهم أسطورة حربٍ حبّرت ماضيهم بالعنف والدمّ لتروي حكايةً غريبة لا تكتمل تفاصيلها دومًا... لا تكتمل تفاصيلها أبدًا، وهنا مربط القلم.
بتكتيك أجاثي كريستي نقلت لنا واحة الراهب الجنون الطليق المخيّم على سورية، على سورية وحدها؟ لا بل وعلى الواقع العربي عمومًا إن لم يكن العالم بآسره. في موقع واحد، وهو مستشفى الأمراض العقليّة في سورية التي بات مجانين الحرب فيها أكثر من عقلاء السلام فيها أو خارجها، بدأت القِصّة وانتهت... هل فعلًا انتهت؟ هي تنتهي كلّ يوم... لتبدأ من جديد... بلا صياح ديكة، بلا بزوغ شمسٍ تشقّ ثقل السماء... بل بنعيب صافرات الإنذار، وبنحيب الأمّهات على ضياع صوت أولادهنّ في ضجيج الرصاص.
نزار كتب السيناريو، دينا ومجد جسّداه من خلال عدسة ناجي... لكنّ اللعبة أكبر من فريق تصوير وممثلين عالقين في مستشفى. ماذا أرادت أن تقول واحة الراهب عن المستشفى؟ هل هي مجسّمًا لسورية؟ وهل فعلًا نحن نتعايش مع قتلانا يوميًّا دون أن نعلم أنّ من يأكل معنا على طاولة واحدة يشرب أيضًا من دمنا بنفس الكأس الذي قدّمه إلينا إكرامًا لضيفٍ عابر؟ هل بدأنا نقذف بعضنا البعض بحجارة التهم ونسينا المجرم الحقيقي؟ المجرم الطليق... كالجنون؟
هذه الرواية مجنونة... وكيف لك أن تكتب عن سورية دون أن تُجنّ؟ الجنون قد يكون طليقًا... لكنّه حتمًا مُحتَجَزًا بين صفحات هذه الرواية... في مكانٍ ما.
واحة الراهب نكأت الجرح وصرخت بحبر مدوِّ في وجه القتلة. قد تكون مختلفة عنك سياسيًّا، قد تكره ما تحبّ أنت، قد تكره أنت ما تؤيّد هي... لكنّك حتمًا ستراصفها الرأي... أنّ الضحيّة دومًا واحدة.. الإنسان
جنون واحة طليقًا،
وكلمتها أيضًا...