كانت أيام ما قبل الانتحار هي أصفى الأوقات في حياته كلها التي امتدت لخمسة عقود ترنح فيها بين الحب والبغض، بين اليأس والأمل ، بين الفرح والحزن ، بين الغدر والوفاء . إلا أن هناك شيئا لم يجد له مقابلا في حياته ساح فيه بوعيه ، وبكامل إرادته حتى أدمنه وصار توأمه المتلاصق، ساخ فيه بجسده وبعقله حتى خنقه ، حاول التحرر منه كثيرا إلا أن شهوة الانحراف كانت أقوى منه ومن إرادته الواهنة التي ذابت في شهوته .... كانت تلك الأيام ـ أعني أيام ما قبل الانتحار ـ هي الأوقات التي أحس فيها بعمره الذي مرَّ بين أصابعه دون أن يشعر شعر أن حياته هي فقط هذه الأيام التي رأى فيها خمسا وأربعين سنة من عمره تمر في ذاكرته وفي تلك الأوراق المتلاحقة التي يسميها مذكراته . كانت الصور في حياته تمر مرورا شتى ، منها ما يدرج ومنها ما يخطر ومنها ما يهدج ويدلف ومنها الذي تلاشى فلم يعد يرى أثره .. لم يكن مرور تلك الصور والأيام مرورا عابرا بل كان يقف عند كل لحظة مرت في حياته يتفحصها مسائلا نفسه : ــ كيف حدث هذا ؟َ! ــ وكيف فعلت ذلك الأمر ؟!