لم يهدأ الليل ، ولم يسكن صمته في عزبة الشماس عامة ، وفي قصره خاصة قد كشر عن ناب الزمهرير ، وحف بشعار الغموم ، وطرف بمراود الغضب والضجيج والصخب ليس بسبب حفلة الشيطان في سرايا الشماس المشبوهة ، وإنما بسبب ما حدث في الجناح رقم " 7 " من السرايا ، فقد هبت العزبة بأجمعها من غطيطها العميق على أصوات عربات الإسعاف والبوليس ، ودوي الطلقات النارية ، وكأنها الصواعق تضيء وتفتق ذلك الليل الفاحم . انتفضوا جميعا من أسرتهم ليروا ماذا حدث في قصر الشماس ، قاموا رجالا ونساء صبيانا وصبايا تتراءى لعيونهم من بعد أمتار قوات الأمن ، وهي تطوق قصر الشماس وتنتشر في كل مكان ، وقد منعوا الناس من الاقتراب مصدرين بنادقهم في صدورهم بانين سياج من أفرادهم الكثيرين كسور آخر للقصر . فوقفوا يتابعون في صمت ولا يكاد يسمع إلا همس من بعضهم يتمايلون على آذان بعض ، والترقب والخشية على رؤوس الجميع ، لا يدرون ما الأمر ؟ حتى خرج رجال الإسعاف يحيط بهم رجال من الشرطة ، وهم يحملون على نقالتهم جثة مغطاة بملاءة حمراء قد خضبت بدماء تلك الجثة المجهولة لأهل العزبة حتى الآن . حدجوا بأبصارهم ، وأسفوا النظر إلى هذا المشهد الجنائزي في صمت عميق لا يتحركون ، ولا يهتزون كأن على رؤوسهم الطير ، قد اكتسوا بالخوف ومجلوا بالذعر الذي زاد طنينه عندما خرج عزام الشماس المرعب خلف الجثة قد اغرورقت عيناه بالغضب ، وصهره السخط ، وفارت دماؤه وثارت كوامن الشر من داخله