الكتاب فيه جهدٌ لا بأس به ، ولكن أفسده أمران حالا بيني وبين إكماله -توقفت عند فصله الذي لا يطاق عن نشأة الاعتزال- : ١- غلوّه في الجاحظ غلواً لا يحتمل ؛ والمبالغة في المدح ذمٌّ ! مثالٌ على غلوّه : أنه يقول بأنه ما من كتاب عربي أو معرب إلا وقد قرأه الجاحظ - بل واستظهره - ! ٢- تقحّمه ما لا يحسن ، مع قلةِ أدبٍ مع حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل الحديث وبعض العلماء كالحسن البصري وابن قتيبة! -أما الحديث : زعمه أن حديث " افترقت اليهود .. " حديثٌ مختلقٌ على النبي ابتدعه أهل الحديث ، ولو صح لكان نكبةً كبرى كبرى على الأمة الإسلامية ! وليس مستنده في هرائه هذا إلا أن العقل لا يقبله ! والحديث صححه ابن حبان وأبوداوود والشوكاني والألباني والأرناؤوط وغيرهم .. ثم يأتي هذا الجويهل فينكره ! -وأيضاً : وصم أهل الحديث بالحشوية إلا من عصم الله منهم ! -وقلة أدبه مع ابن قتيبة رحمه الله ووسمه بالسخف والسفه.
وزد سبباً ثالثاً إن أردت: ٣- وهو ميله للاعتزال وحفاوته الظاهرة بالمعتزلة .
كان هذا الكتاب مدخلاً سيئاً إلى عالم الجاحظ .. عفا الله عنك يا سندوبي !
-الكتابة عن الجاحظ عسيرة، لأن الكاتب يجيء إلى تل من التراجم والدراسات والمؤلفات والأقاويل عنه، راكم عليه الدارسون لتراث الجاحظ والعارفون به من ثمار مطالعتهم ومعايشتهم له وحقيقة عواطفهم ونظرتهم إليه شيئاً هائلاً، فكان الأولى بكل من يتصدى لنشر القول وتجديد الكتابة عن مثل هذا العلم أن يبلغ الغاية في الاجتهاد والبحث كي يحقق ما يليق بالجاحظ أولاً ويضيف غير ما عُرف ثانياً، ولا أظن السندوبي وفّق-لمجازفته وتعصبه-وإن كان الكتاب ممتعاً مفيداً في الجملة.
-زعم السندوبي أن الجاحظ يُحسن الفارسية وزعم أن الجاحظ دخل مصر، وشاهد وجرب ليستفيد مادة علمية يضيفها في كتبه، وذكر أن الجاحظ عقيم لم ينجب، بل لم يتزوج، وكان يفضل اتخاذ السراري. وهي مزاعم قد تكون كلها صحيحة وقد يكون بعضها صحيحاً لكن أين الشواهد والعواضد؟ لا يكفي يا سندوبي أن تُحيل على ثلاثة كتب وتقول هي هناك واضحة، لو كانت واضحة ما ذكرتها في كتابك.
-تلوح كثيراً أمارات الهوى والتعصب للجاحظ في هذا الكتاب، وأحياناً تكون ساخرة لاذعة ليست على سبيل العلماء، ككلامه في نفي نسبة كتاب التاج للجاحظ ص152:"وأي امرئ له مُسكة من عقل، أو أثارة من ذوق، أو بقية من أدب، أو صُبابة من فضل…" وقد يدعوه ذلك إلى الحط من أديب كبير كابن قتيبة والسخرية به، بل دعته حميّته الجاحظية أن جعل طريقة موت ابن قتيبة بأكل الهريسة دليلاً على الرعونة والسخف، ولو جاريناه لقلنا أن الجاحظ هو الأرعن السخيف حين عاند الطب وأكل المضيرة بعد السمك ففلج! وقال عن السيوطي ص80: "لم يقرأ من كتب الجاحظ شيئاً ولا عني بما اختص به من علوم وفنون وآداب" وهذه مجازفة قبيحة.
-الفصل الذي عن نشوء المعتزلة مفيد، وفيه القول بأن المعتزلة إنما قالوا بالمنزلة بين المنزلتين توسطاً بين غلو الخوارج وتفريط المرجئة، وتجميعاً لما فرقته هذه المسألة الدينية السياسية من الفرق والأحزاب، وهو قول وجيه ومعقول.
-مع محاولة السندوبي أن يكون محققاً لسيرة الجاحظ إلا أنه فاته وجاز عليه القول بأن الجاحظ قتلته الكتب بأن سقطت عليه، ولم يبين أنها قصة أقرب للاختراع والتلفيق منها للحقيقة، ولو حصلت لما أغفلها المتقدمون مع طرافتها وشهرة صاحبها.
-هناك مقالة قصيرة لمحمود شاكر عن هذا الكتاب جديرة بالنظر، وكما يرى محمود شاكر، كتاب السندوبي تاريخ خارجي عن الجاحظ وسيرته لا يلج إلى عمق أدبه ودقائق أسلوبه.
افتتحت قراءة "موسوعة الجاحظ" [طبعة دهليز] بكتاب أدب الجاحظ للسندوبي. وهو كتاب صغير ظريف، لو حذفت حواشيه -والتي أغلبها تراجم- وأُزيلت فهارسه لما تجاوزت صفحاته 170 صفحة. الكتاب أشبه ما يكون بسيرة غيرية للجاحظ، أو قلْ نصفَ سيرة. بعض المواضع تحتاج إلى التحقق من صحتها وصدقها. أسلوب حسن السندوبي جميل وممتع، وما عابه إلا عصبيةٌ أدبية للجاحظ، فكل ما يقوله الجاحظ صحيح وكل ما يسوء الجاحظ يرده أو يكذبه أو يشكك فيه. فمثلا: الجاحظ أخطأ في نهر معين، قال هو نفسه النيل. وردَّ عليه عالمٌ جغرافي، فيقول السندوبي: عادي، هذا لا يُنقص من الجاحظ؛ لأنه ليس مختصا فيه، والذي يعاب من يغلط في أمر مختص فيه.