يوضح الديوان العلاقة بين المرأة والرجل بكل ما فيها من انفعالات وتناقضات، وعزفت سيمفونيات حب جميلة، تتخللها مقطوعات حزينة وغاضبة تصدت للغدر والخيانة والعبث اللامنتهي. بين معزوفة وأخرى، تظهر ملامح الوطن الذي عانقته الشاعرة بكل حب، وبكت على جراحه التي يعانيها في صمت، وأرسلت له باقات ورد لا تموت، كما عانقت وطنًا فتح لها أجنحته …
تعرفت على الشاعرة دارين بشير من خلال قصيدتها المغناة (حين التقيتك عاد قلبي نابضاً) فشدتني الكلمات ورحت أبحث عن هذا الصوت الشاعري المتفرد، واقتنيت كتابها (عبث وتولى) ولقد أعادتني إلى الخلف قليلا حينما أهدت الكتاب إلى الشاعر الكبير نزار قباني وقالت: "إلى نزار قباني الذي رفع سقف الطموح لدى النساء فحزنت أعينهن..
في انتظار رجل يشير بيده إلى صدره ويقول: هنا وطنك..
غير مدركاتٍ أن أوطان الرجال منفى"
كان هذا الإهداء كفيلا بأن يحملني على سفائن المحبة، ويقلني إلى أرض شعرية بكر.. وحينما أكملت قراءة الديوان لم أرجع خالي الوفاض، بل عدت محملا بالحنين والشوق واللهفة إلى معانقة حرفها مرة أخرى..
في أول قصيدة في الديوان تشعر بأن هناك مسحة نزارية على جلباب القصيدة، وهي تصرح بأنها من الفريق الذي يؤمن بأن الحب للحبيب الأول فهي تقول:
"أعلنتُ يوم أن التقيتكِ مولدي وعلى يديكِ اليوم أعلن مقتلي
لم تفهمي ما قيل يوما في الهوى ما الحب إلا الحبيب الأولِ" إنها لا تؤمن بالحب الجديد، بل تحن دائما إلى الماضي وإلى أول منزل وأول حب.
ولا تكاد تمر صفحة من الديوان إلا وتأخذك هزة الإعجاب كقولها:
"ورويت بالدمع المرير وسائدي فإذا زهورك فوقها تتفرعُ
ونقشتُ رسمك في ثنايا أضلعي واليوم تبكي في الخفاء الأضلعُ
يا ويل هذا القلب شاب مبكرا قبل الهوى قد كان طفلا يرضعُ"
قد كنت قبل قراءة الديوان مشيحا عن الشعر الحديث مقبلا كعادتي على الشعر القديم.. ولدي عادة قديمة حينما يصيبني الملل من القراءة أعود فاقرأ الشعر؛ لأن الشعر يعيد إليَّ بصيلات القراءة الميتة..اخترت في عودتي هذه التذكرة السعدية في الأشعار العربية، وكان نعم المعين لعودتي رحاب الشعر والقراءة عموما ولا أدل على ذلك من قراءتي لديوان السيدة دارين.. الشاعرة تكتب الشعر العمودي وأيضا شعر التفعيلة على أن أغلب الكتاب من الشعر العمودي، ولقد جاء الشعر العمودي يفيض بالوجدان، وأما شعر التفعيلة ففيه حماسه، وكأن الشاعرة حينما تعتريها أريحية الهوى تميل إلى الشعر الأصيل الشعر العمودي، وإذا ركبها الغضب أفرغته على القالب الحديث.. الديوان وجداني يتحدث في عمومه عن الشجن والفراق وقيمة العلاقات العاطفية بين الحبيب وحبيته، وهي في هذا كله موضع الحبيبة التي تندب حظها وتشتكي من قسوة محبوبها وتشتكي دوما إلى الله من الحب وأهله.. على أنها لا تنسَ هموم أمتها العربية فتقول: