منذ زمنٍ طويل لم أقرأ رواية بهذه الخفّة وبهذا الثقل في آن.
استعمل الكاتب أسلوب التأويل، أو ما نسمّيه في النقد الأدبي "الكتابة الاكتشافيّه"، وفيها يكتشف الكاتب شخصيّاته تمامًا كما يكتشفها القارئ، فالكاتب هنا قرّر كتابة الرواية كقارئ وليس كروائيّ وهذا النوع من الأدب قلّة من يجيده، وقلّة أيضًا أولئك الذين يخاطرون ويكتبون به.
مداومة البحث في الرواية كانت ممتعة للغاية بالنسبة إلي، والجميل إنّ هذا البحث كان دائمًا يضفي إلى اكتشاف بعض الحقائق عن أحجية المالح. فـ "ينبغي التيه ليتحقّق الوصول"، لم تكن جملة عابرة اقتبسها الكاتب من عبد الفتّاح كيليطو، بل كانت نسجًا حقيقيًّا لأسلوب الرواية. فالأحداث هنا تتشابك بين حقيقي ومهلوس، حيث الفعل في أعلى قممه، وحيث الثبات في قاع جموده. هذه الارتجاجات المدوّية، والسكون المرعب حمل الرواية إلى عالمٍ إبداعي مدهش.
العمل يحاكي المجتمع ذا اللسان المتفاخر والقلب الجبان، فهو يعرض العنصريّة العربيّة ضدّ اليهوديّة التي ليست دائمًا انعكاسًا للصهيونيّة، فقلّة من العرب تميّز الديانة عن الحركة السياسيّة. ولم يكتف الكاتب بعرض معضلة العرب واليهود من جهة واحدة، أي على لسان بطل الرواية اليهوديّ، بس أيضًا كان الندّ بالندّ لتلك الأفكار فيطرح أيضًا الجانب المظلم للحياة في إسرائيل التي حاربت كثيرًا لاسترجاع اليهود إليها... لأرض ميعاد لم تفِ بكلّ وعودها. وهنا السقطة الكبرى التي أراد الكاتب أن يستعرضها على لسان يهود المغرب، مطاريد المجتمع الذين أرادوا العودة إلى إسرائيل بعد تغريبة العمر، فمنهم من غرق في البحر ومنهم من وصل إلى إسرائيل بسرعة أرنب لا يأبه بسلحفاة الزمن الخاملة ليكتشف أنّ مزرعة الجزر التي وعدوه بها ليست إلّا بقايا جزرة عفنة. والقسم الآخر من اليهود الذي عاد ورفض الانسلاخ عن مغربيّته ففلح تلك الفقاعة وعاش بها ضمن مجتمع مغربي مصغّر داخل إسرائيل. هذه الحالات الثلاث هي انعكاس حي لحال المهاجرين والنازحين واللاجئين العرب، وكأنّ الكاتب يقول لنا حتّى العودة إلى الوطن الأصلي هي هجرة... وما هو الوطن الأصلي إلّا الأرض التي تألف ترابها؟
سفينة إيجوز التي غرقت وغرق معها اليهود العائدين إلى الوطن ليست مختلفة عن القوارب التي تغرق يوميًّا محمّلة بالسوريين المهاجرين إلى أوروبا بطرق غير شرعيّة، واليهود العرب العائدين إلى إسرائيل بصدمة واقع لا يشبه ما وعدوهم به لا يختلف كثيرًا عن واقع المهاجرين العراقيين والسوريين واللبنانيين عندما يصلون إلى "أرض ميعاد" الأمم المتّحدة في كندا وأميركا. المأساة نفسها تولد يوميًّا بين عرب ويهود، بين أمم تشرذمت فوق أطلسٍ بدأت أوراقه تتمزّق وما عاد قادرًا على حمل أحد.
أغلب شخصيّات العمل "القليلة" مركّبة تعتمد على أسلوب التجلّي المباشر وهو أسلوب أدبي يُستعمل في رسم الشخصيّات التي تستبصر وتحدس الحدث بشكلٍ مفاجئ بالتعمّق في أغوار الواقع والمعنى الأساس له، وربّما شخصيّة المالح خير مثال على ذلك "السؤال ذاته كان يتردّد في رأسي كصدى صوت محبوس بين جبلين: ماذا أفعل هنا؟". الفصام هنا لا يقتصر على الخاصّ، أي الشخصيّة، بل ينتقل إلى العامّ ليحطّ على المجتمع "الظروف دفعتنا دفعًا إلى هذا الانفصام. أن نكون مغاربة لسنوات محدودة ثمّ نفرد أجنحتنا ونطير".
يأتي تعقيد شخصيّة إدمون المالح من ثالوثيّته. فهو إدمون المالح اليهودي المغربي الذي عاد إلى إسرائيل في سنّ المراهقة ليدرس في المدرسة الدينيّة، وهو أيضًا عَمران المالح الذي عمل جاسوسًا لدى السلطات المصريّة وعاش حياته معذّبًا بعقدة ذنب غرق سفينة إيجوز، وهو أخيرًا... عيسى العبدي العالق في مسشتفى الأمراض العقليّة. هذه التقنيّة في الكتابة تسمّى "التحوّل المفاجئ"، أي أنّ الشخصيّة تمرّ بانعطاف يباغت الأحداث ويأخذها في مسارٍ عكسيّ لتنقلب المصائر ويتبدّل المناخ. وإن كان هذا الأسلوب يطمس ولو مؤقّتًا الخيط الأساس للقصّة لكنّ محمّد أجاده شرّ إجادة. وهذا هو سبب اقتصار الرواية على شخصيّات قليلة جدًّا وهي 3 فقط: فرانز وميمونة وثالوثيّة إدمون وهذه النقطة تحسب للكاتب لأنّه قرّر التركيز على الشخصيّات التي تحرّك دفّة الرواية وترك كلّ ما هو زائد. لم يهتمّ محمّد بأن تكون روايته 400 صفحة، فقد اكتفى ب 96 صفحة لأنّني أعتقد أنّ القيمة بالنسبة إليه هي في المحتوى فقط.
من بؤر قوّة الرواية هي تركيز الكاتب على اللغة الجميلة والأسلوب السلس والعلاقات المتبادلة بين الأجزاء والكلّ، فأصبح معنى النص ورمزيّته واضحين. فرمزيّة المعبد وربطها بأبي بكر البغدادي والعودة إلى زمن النكبة والنكسة والإشارة إليها بهذا الوصف تحديدًا والتطرّق إلى موضوع تنحّي جمال عبد الناصر ومطالبة المصريّون أن "يتنحّى" الرئيس عن قرار التنحّي، والتهكّم اللاذع على أكذوبة الانتصار على إسرائيل التي لا تختلف كثيرًا عن أكذوبة الصحّاف في العراق خلال الغزو وانتصار رصاصته على بارجات بوش!، كلّها علامات واستشهادات ترفع لها القبّعة. وأخيرًا شكرًا للكاتب الذي لقّن جائزة البوكر درسًا قاسيًّا لعل القائمين على هذه الجائزة الوضيعة يعرفون الآن أنّ غشّهم والرشوات التي تدفعها لهم دور النشر ليست مخفيّة عنّا.
عمل متضامن ومتكاثف العناصر الادبيّة