يحاول هذا الكتاب تقديم قراءة ما عن أحد أوجه تاريخ سوريا، اجتماعياً وسياسياً واقتصادياً ومعرفياً، من خِلال سرد حكايات ورؤى ومشاهدات للحياة المدرسيّة، لعدد من الكُتّاب السوريين، المُنتمين لحساسيات ومناطق وأزمنة سورية مُختلفة.
الحياة المدرسيّة في سوريا، كما كُل المؤسسات والحيوات العامة الأخرى، لم تكن معزولة عن كامل الديناميكيات والأحوال السوريّة الأخرى، الاجتماعيّة والاقتصاديّة والثقافيّة، وأولاً السياسيّة، السوريّة الأخرى. وحينما يسعى الكِتاب نحو تقديم سرديّة وتحليل وتفكيك لتلك الحياة المدرسيّة السوريّة، فإنه في وعيه المستبطن يسعى لأن يُقدم فهماً ورؤية وصورة ما عن سوريا. كانت هذه الصورة، لأسباب عديدة ومركبة، مُهمشة ومقصيّة ومكبوتة، لصالح رؤى سُلطويّة ومركزيّة أخرى.
ليس في الكِتاب خُلاصات أو نتائج. لكنه في المقابل يحبو نحو القول بأن الخطوط الحمراء، السياسيّة والدينيّة والاجتماعيّة والثقافيّة، الطائفيّة والمذهبيّة والقوميّة والجماعاتيّة، العامة والذاتية منها على حدٍ سواء، إنما منعت وكبتت الكثير من المساعي لقول الكثير من الأشياء عن سوريا، باعتبارها جُغرافيا ومُجتمعاً وحياة مُتراكمة ومتراكبة من عديد الأجيال والحساسيات والرؤى. سوريا التي صارت بؤرة لأفظع ما في العالم المعاصر، والأكثر ألماً فيه، لذا تستحق أن يُسرد عنها أعمق وأسهل ما يُمكن قوله.
ممدوح عزام كاتب وروائي سوري امتاز بسلاسة كتاباته وتشويقها وبأسلوبه الروائي الساحر يشد القارئ إلى عالمه فيعتبر من الروائيين المؤرخين للعصر الحديث في سورية بكتاباته الأدبية ولد في عام 1950 في محافظة السويداء اشتغل في التعليم مدرساً في نفس المحافظة وهو عضو في جمعية القصة والرواية السورية. صدر له من مؤلفاته: •نحو الماء، مجموعة قصصية، 1985 . •معراج الموت، رواية، 1987 . حوّلت إلى فيلم سينمائي بعنوان «اللجاة »، من إخراج رياض شيّا، وإنتاج المؤسسة العامة للسينما .1993 •قصر المطر، رواية، 1998 . •جهات الجنوب، رواية، 2000 . •الشراع، مجموعة قصصية، 2000 . •أرض الكلام، رواية، 2005 . •نساء الخيال، رواية، 2011 . •أرواح صخرات العسل، رواية، 2018 .
لدي عادة غريبة بعض الشيء عند اختياري للكتب ألا وهي اختيار كتاب مغمور لا تكاد تسمع عنه شيء، صفحات الإنترنت التي تتحدث عنه قليلة، الآراء حوله ليست كثيرة، مهما تبحث، تجد المعلومات قليلة حوله، والنتيجة لهذه العادة قد يكون واحدة من أثنين، أما أن يكون الكتاب كنزاً مخفي، لا تراه إلا بعد البحث الكثيف، وإما أن يكون قلة شهرته ورواجه لأنه لا يستحق. وبكل تأكيد هذا الكتاب هو من النوع الأول. كنزاً مخفي لا تكاد تراه الأعين، ولأنني لست طماعاً، أحب أن أشارك معكم هذا الكنز الصغير.
يتناول الكتاب سبعة كُتاب يروون سيرهم المدرسية -ظننتُ هذا واضحاً من العنوان- وتختلف السير المدرسية زمنياً ومادياً بالنسبة للراوي، فقد نجد راوية تشتهي موزة واحدة، وتكاد لا تعرف طعمها إلا من طعم العلكة ذات نكهة الموز، وراوي لا تُمثل له الانتقال من محافظة إلى أخرى ومن مكان إلى آخر أي أزمة، وذلك التباين كان في صالح الكتاب، لنرى جميع الزوايا المُمكنة، جميع الحالات المُتاحة، وذلك جعل للكتاب وزناً أكبر.
إذاً لماذا السير المدرسية؟ لأن "التعليم في الصغر كالنقش علي الحجر"، فنرصد أولئك الكُتاب وهم يبنون طريقة تفكيرهم الحالية، يُحللون الأنمطة المُختلفة المُنعكسة من سياسة النظام السياسي، فالنظام السياسي الديكتاتوري يعلم جيداً أن أفضل طريقة للسيطرة على شعبه هي البداية، منذ نعومة الأظافر، فيُحاول أن يفرض قيدوه مُبكراً. وتحليلات الكُتاب لما رأوه اجتماعياً وسياسياً ودينياً، كان جيداً يجعلك مُستمتع وينقلك للفترة الزمنية المذكورة.
ختاماً.. استمتعت بهذا الكتاب فوق العادة، وكنت أتمنى لو أصبح أكثر من سبعة كُتاب، لماذا لا يكونوا عشرة؟ لماذا لا يكونوا مائة؟ ولكني بعد تفكير أطول، تمنيت لو أصبح هذا الكتاب بداية لسلسلة طويلة من كُتب، يشمل كُل كتاب على سبعة كتاب يروون سيرهم المدرسية، بدأنا بسوريا.. فلماذا لا نجوب الوطن العربي كُله؟ ونسمع تلك الحكايات المدرسية السعيدة والحزينة وتحليلات الكُتاب الذكية. ونتذكر ونستعيد تلك الذكريات البعيدة لأنفسنا عندما كُنا مُجرد طلاب، لا نفقه شيئاً، ولكن يُمكننا أن نربط الحكايات التي نقرأها بحكايات حصلت معنا فعلاً. وطوال أحداث الكتاب، ربطت كثيراً وتذكرت كثيراً، وتلك -بالنسبة لي- كانت متعة الكتاب الأكبر. بكل تأكيد يُنصح به.
كنز صغير تقدمه دار المتوسط، سبعة نصوص متباينة متشابهة لسبعة كُتّاب سوريين "يروون سيرهم المدرسيّة" كما ذُكر على الغلاف. النصوص متباينة نظراً لحجم اختلاف الخلفيات التي ينحدر منها الكتّاب السبعة، فننطلق من قرية لننتهي بأخرى، ونعبُر المدن بخفّة دون أن نُغفل ذكر الإجازة الصيفية بلبنان أو المنافي المستقبلية. عرب وأكراد، شوايا وحضر وطوائف لاتنحصر بيُسر. مدارس خاصًة ومدارس عامة، وعدد لامتناهي من البراويظ المتنوّعة لصورة القوّادة نفسهم. ومتشابهة لأن الخوف وحّد المقامات وقسّمها على جميع الأطفال في المدارس السوريّة، فنرى أن التجربة الشخصية فريدة لكنّها تكاد تكون متطابقة إِن أردنا أن نبصرها من وراء مقعد الدراسة المزيّن بخوازيق المجتمع وأكبال المنهاج الحظائري.
فكرة الكتاب عبقرية بحق، كتاب ينبش بذاكرة الطفولة لكتاب سوريين على اختلاف خلفياتهم، طريقة غير تقليدية في سرد نتف من تاريخ بلد شهد تقلبات كثيرة وسريعة معا، كنت أتمنى لو نهج جميع الكتاب نهجا معينا في سرد الأحداث، وكنت أود أيضا لو كان هناك بعض التوضيح لبعض الكلمات كالتي لا يفهمها إلا السوريين، لعل قارئا غير سوري وقع على هذا الكتاب فيغيب عنه الكثير من المعاني!
لعل الميزة الأبرز في هذا الكتاب هي تحريض الذاكرة والنبش في أعماقها ليفيض سيل من الصور والمواقف والأحدث عن الفترة الأجمل والأكثر براءة من حياة الكثيرين، مرحلة الطفولة ومقاعد الدراسة، مرحلة الخروج من العالم الصغير ومواجهة العالم الكبير، المدرسة والمجتمع، الأشخاص والأفكار. والميزة الأخرى، تعدد الكتّاب وخلفياتهم الاجتماعية والفكرية المتنوعة وأساليبهم في الكتابة والتعبير و شهادتهم عن الظروف الاجتماعية والسياسية التي كانت سائدة في سوريا. وبالرغم من أن العنوان العريض الذي تندرج تحته النصوص هو "السيرة المدرسية" إلا أن معظم الكتّاب استعرضوا جانبا من الأحداث السياسية وأثرها في حياة الناس، وتبعات الممارسات القمعية للسلطة على حياة الفرد والمجتمع من خلال سرد ممتع في معظم النصوص. وأبرزها نصوص فاروق مردم بك وصالح الحاج صالح وروزا ياسين حسن ورستم محمود.
مع بداية قراءتي لهذا الكتاب كانت عملية ردع العدوان العسكرية في ذروتها ولم أكن أتخيَّل أنّّني سأكتب في مراجعة هذا الكتاب أنَّ الطاغية بشار الأسد قد سقط وأنَّ سوريا العظيمة وثورتها المباركة قد انتصرت. كان التعليم في سوريا، تحت وطأة نظام البعث، أداةً لتنصيب الاستبداد وترويض العقول، لا لتنويرها. فبدلاً من أن يكون منارةً للعلم والمعرفة، تحول إلى سجن يقيّد الأفكار ويحاصر الحريات. صُممت المناهج الدراسية بعناية فائقة لتكون أداةً دعائية تخدم النظام وتُقدس شخص القائد. روايات التاريخ أعيدت كتابتها لتناسب رواية السلطة، فحُذف كل ما يسيء إليها، وحُور كل ما يخالف أيديولوجيتها. لم يكن هناك مكان للتنوع الثقافي، ففرضت هوية واحدة، وقمعت الهويات الأخرى، لا سيما الكردية (أذكر أنَّني خشيتُ التحدث باللغة الكردية طيلة التسع سنوات الدراسية في سوريا) وبدلاً من أن يشجع على التفكير النقدي والإبداع، روّج التعليم للتلقين والحفظ. كانت الكتب المدرسية هي الإنجيل الذي لا يُناقش، والمدرسة هي المعبد الذي يُعبد فيه النظام. كانت الرقابة شديدة، والخوف يسود الأجواء، وتحولت الجامعات من مراكز للتفكير إلى ساحات للمواجهة. لم يكن التعليم مجرد أداة للسيطرة، بل كان سلاحًا لتجنيد الشباب في خدمة النظام. فُرضت عليهم عقائد النظام، وتربوا على الخوف من المعارضة والولاء المطلق.
يأخذنا كتاب "صفحات من دفتر قديم" في رحلة استثنائية إلى أعماق الذاكرة السورية، حيث يروي لنا سبعة كتّاب سوريين تجاربهم المدرسية التي تتجاوز حدود الذكريات الشخصية لتتحول إلى شهادة حيّة على واقع التعليم في سوريا عبر حقبات زمنية متباينة. يمتزج في هذا الكتاب السرد الشخصي بالتأريخ الاجتماعي، ليصبح وثيقة نابضة تعكس كيف أسهمت المدارس السورية، بكل ما حملته من تحديات وظروف، في تشكيل الهويات والأفكار. من خلال هذه السرديات المتنوعة، نعيش تفاصيل الحياة المدرسية، ونستكشف كيف كانت المدارس السورية بمثابة مرايا تعكس ملامح المجتمع، حيث واجه الطلاب والمعلمون تحديات تتراوح بين الظروف اليومية الصعبة وتأثير الحروب والصراعات على العملية التعليمية. يتميز الكتاب بجمعه بين أصوات مختلفة، لكل منها بصمتها الخاصة، ما يمنح القارئ صورة متعددة الأبعاد عن التجربة التعليمية السورية، من لحظات الطفولة البسيطة إلى صراعات الهوية في ظل الأزمات. إنه أكثر من مجرد كتاب عن التعليم، بل هو سجل يوثّق صمود الإنسان السوري، وقدرته على التمسك بجوهره الإنساني والثقافي وسط أعقد الظروف. "صفحات من دفتر قديم" يعكس التنوع الثقافي والاجتماعي لسوريا، ويقدم بانوراما مبهرة عن النضال اليومي الذي تخوضه العملية التعليمية في مواجهة التحديات. إنه كتاب يُحيي الذاكرة، ويُعيد تسليط الضوء على دور التعليم كركيزة أساسية في الحفاظ على الهوية السورية.
❞ بالنسبة إليّ، كانت المدرسة الفضاء الأوّل لتجاوز الطفولة، لكني بالتقادم اكتشفتُ مدى ما كانت عليه هذه "المدرسة" السورية تأسيسية لكلّ سوريا التي اكتشفتُها فيما بعد. ❝ -رستم محمود
This entire review has been hidden because of spoilers.