كثيراً ما تراودني فكرة التشابه بين القلب والغيب ، في طريقة تعامل الإنسان معهما ، وللقلب صورة متخيلة في الذاكرة العربية ، فهو موطن البصيرة وموئل التفكير . فيه معاقل الإيمان ومكامن التمرُّد ، مضت قرون حتى عادت صورة القلب إلى حقيقتها ، مضخة عضلية تدفع الدم إلى الدورة الدموية ، بإمكان آلة الطبيب التجوّل فيها ، واستبدالها بمضخّة مصنوعة ، ومع هذا ، لا يستطيع الإنسان العيش دون هذه المضخّة .
متخيل الغيب عندنا مثل متخيل القلب ، فهو القسم المقدّس من الوجود ، وعليه تعتمد الحياة الدنيا ، لكنه في حقيقته متخيل إنساني ، يشكله الفرد تبعاً لما في ذاكرة جماعته ، وليس له وجود خارج عقله ، والإنسان هو الذي يضفي على الأشياء القداسة ، والأشياء ليست مقدسة في ذاتها ، فإذا كان الغيب لازمة إنسانية مثل القلب ، فشتَّان بين أن يُعمي العقول ويخدر الأعصاب ، وبين أن يضفي على الحياة معنى آخر من معانيها
محمد كريم الكواز (1951م) ، كاتب وباحث عراقي من مواليد بغداد ، متخصص في فلسفة اللغة العربية وآدابها ، حاصل على درجة البكالوريوس في اللغة العربية من كلية الآداب من جامعة بغداد في العام 1975م ، والماجستير من نفس الجامعة في العام 1980م ، ودرجة الدكتوراة في العام 1990م عن أطروحته ؛ الأسلوب في الإعجاز البلاغي في القرآن الكريم . ينصب جزء كبير من كتابات الباحث ومطبوعاته في أبحاث الأساطير والميثولوجيات العربية والإسلامية . عمل أستاذًا مساعد في جامعة السابع من أبريل في ليبيا، سنة 1996. أستاذ مشارك في الجامعة الأسمرية للعلوم الإسلامية في ليبيا سنة 2002. أستاذ الجامعة الأسمرية للعلوم الإسلامية في ليبيا سنة 2007.
يحاصر الغيب الانسان من كل جانب ولا ينحصر في عالم ما بعد الموت كما هو شائع بل ان اول الانسان غيب اذ خلق ابواه في الجنه ونزلا الى الارض في غيب ماض لا يعرفه احد ويحيا الغيب مع حاضره وسينتهي الى غيب الاخرة فهو بالنسبة للانسان ماض وحاضر ومستقبل...
لا يختلف المسلم عن غيره من اتباع المعتقدات الدينية الاخرى في قضية الغيب، فقد كان الغيب فاعلا في الفكر الانساني منذ اول الوعي المؤرخ في الحضارة الانسانية وسيستمر مادام الانسان باحثا عن اجوبة وجوده...
فرضت الثقافة الاسلامية تصوراتها على الغيب ورسمت له نمطا مقدسا لا يمكن تجاوزه الا بالارتداد عن الاسلام وقتل من يرتد ولذلك لم يجرؤ احد على تفكيك فكرة الغيب ...
كانت النبوة متعالية عن الواقع الذي عاش فيه العلماء بمعنى انهم رفعوه عن الواقع من خلال اعتمادهم على النقل دون تناولها بالعقل
فما دام العقل قد غاب ومفاهيمة قد اختفت ولم يعد هناك الا الشواهد السمعية دون تأويل او تعقل او تنظير .. لذلك كان موضوع الغيب جزءا مهما من النبوة