منذورة منذ طفولتها للحسين، تبدأ خطواتها على العتبة الأولى؛ إذ كلمات القرآن، تصقل مخارج حروف حَنْجَرَتِها الطّريّة. في الخامسة من عمرها أخذها أبوها الحاج يُوسُف مزعل إلى مُعلِّمي القرآن من آل حبيل، يحملُها على حماره وسط مزارع سترة بمحاذاة البحر والنّخل. تتمكن من حفظ القرآن سريعًا محفوفًا بأصوات العصافير، وجداول مياه سترة العذبة. (بنت يُوسُف أو بِنت مزْعِل) الاسم الشّهير لتلك الملاّية التي جالت مآتم البحرين؛ لتصدح بما وهبها اللهُ من نقاء حنجرة، وانفراد كاريزما. سيّدة سّتراويّة وهبت وقتها كلَّه للحسين، وأوقفت حياتها على آل الحسين. قضت حياتَها بين الكتب والقراءة الحسينية، كانت تقول "كتبي حِجابُ صوني" إنّها مقولة عميقةُ الحضور في وجدانها، لقد منحتها كتبُها قوّة، وغنى، ومتانة، ومعرفة، وذاكرة حاضرة، وصانت مكانتها وجعلتْ منها ملاّيةً تشرئب لها الأعناقُ. أولت عناية للفقراء، والمحتاجين، والأيتام، وبَنَتْ ثلاثة مساجد بالقرية: مسجد الصّاغة، ومسجد شيخ راشد، ومسجد المزعلية. تقولُ الملاّية أمّ السّادة: "إنّ صوت بنت مزْعِل من القوّة بحيث يغسل المستمعات من ذنوبهنّ وهمومهنّ الصغيرة، أقولها وأنا واحدة من اللواتي عايشنَ مجالسها، نخرج من مجلسها، وكأنّ لا ذنب لنا"
علي أحمد الديري، ناقد وباحث متخصص في تحليل الخطاب، أنهى رسالة الماجستير"قوانين تفسير الخطاب عند ابن حزم الأندلسي" في2007. وناقش أطروحة الدكتوراه "مجازات الجسد عند إخوان الصفاء وابن عربي" في 2010.
صدر له "التربية والمؤسسات الرمزية.. كيف تنتج المؤسسات ذواتنا؟"، "مجازات بها نرى: كيف نفكر بالمجاز؟"، "طوق الخطاب: دراسة في ظاهرية ابن حزم"، "العبور المبدع: استراتيجية التفكير والتعبير باستخدام المجاز"، "خارج الطائفة"، "كيف يفكر الفلاسفة؟"، "نصوص التوحش: التكفير من أرثوذكسية السلاجقة إلى سلفية ابن تيمية"، "إله التوحش: التكفير والسياسة الوهابية".
ما تزال اصداء كلمات – بتجيكم بنت مزعل- تتردد في البحرين على أبواب المنازل والمساجد والمآتم قبل أن تصل إلى مسامع المستمعات المتلهفات إلى الملاية البطلة القوية بهيبتها، والحزينة في رثائها، والبطلة المتفردة في ميادين الرثاء والنعي على الحسين بدأت أولى خطواتها منذ الطفولة إلى أن تشربت حب الحسين حد الإنصهار.
يفتش الناقد والباحث الدكتور علي الديري عن الآثار التي ترى بالبصيرة لا بالبصر فيكتب لنا وللأجيال سير الملايات ومعلمات القرآن في أسلوب ممتع وسرد مفصل حتى تجد نفسك بين المستمعات في العزية أو "الوليدات"في المعلم
يبدأ الديري في سيرة "الحاجية بنت مزعل" من البروفايل ثم الأحفاد في "مجموع الجّدة" ثم بنات وأبناء الأخ في "مجموع العمة" ثم في "مجموع التلميذات" وينتهي صولاً إلى "مجموع المحبين". أجمع الجميع على إن الحاجية سعدة بنت يوسف بنت مزعل (1915 – 1998) جمعت في قلبها جنّة القرآن وجنّة الطبيعة فصارت طيبتها معجونة بالطيب والطيبة، وإن وجهها هو مصدر النور والبركة والإطمئنان حتى كانت تطلب منها احدى حفيداتها ان تنام ووجهها يشاهد وجه جدتها، وأخرى باتت ترى الأشياء من خلالها. لم تترجل "الحاجية" عن المنبر حتى بعدما ان تمكن منها مرض السكري فقطعت القدم التي كانت "العمود الرابع" في المأتم ومن ثم أصيبت في سنواتها الأخيرة بكسر في الحوض فكانت تقرأ وهي مستلقية إلى أن سآء حالها ونقلت إلى المستشفى إلى أن توفيت هناك، حتى وصف ابن بنت أخيها عن عمته "حبست عمتى حياتها حبسا مؤبداً على الحسين صوتها،بيتها،وأموالها وأنفاسها كلها محبوسة وموقوفة على الحسين". https://yalzaki.wordpress.com/2020/09...
لا أذكر مكانا عشت فيه مع الحسين ع بكل جوارحي وأنا صغيرة كبيت عمتي كان بيتها - بيت الحاجية - هو النشاط اليومي لنا كان بيتا مفتوحا في جميع الأوقات حتى مع غيابها وكان ممزوجا بعبق الحسين ع لطالما شعرت بأن الملائكة تحوطه الشعور الذي يداخلنا عندما نضع خطواتنا عند بابه لا يمكن أن يصل إليها الإنسان حاليا مع ألف جلسة من جلسات الاسترخاء
ما أن تدخل الى الحوش حتى تستقبلنا بابتسامتها الهادئة وعناقها الدافئ كان لها عنفوان من نوع خاص إلا أنه يضعف أمام الأطفال . تفصح دائما عن حبها - أحبكم من حب بنت أخي التي هي أمي حفظها الله - هكذا هي لهجتها ممزوجة باللهجة الفحصى دائما متفردة كما شخصيتها التي تمتزج القوة بالحنان في مزيج جميل فبصلابتها تعلمنا كيف تكون قوة المرأة واستقلاليتها . كانت أجندة عامنا تبرمج على أجندة فعالياتها وأوقات مجالسها وأفراح أهل البيت ع تميزت مجالسها الحسينية بالجودة التي ندرسها حاليا في الجامعات والمدارس وخصوصا في رسالة الدكتوراه التي حضرتها في معهد العلوم التربوية بالقاهرة التي تصف الجودة بأنها أداء العمل بأقل جهد وأقل وقت من أول وهلة مجلس محدد الوقت غني بالمشاعر الفياضة الموجهة للحسين ع. وأهل بيته ع يتربع فيه صوتها وحنجرتها الذهبية وأطوارها الحسينية التي لايمكن تتكرر في زماننا هذا.
عمتي كانت نموذجا وقدوة نحتذي بها في القيادة التي هي قوة التاثير على الآخرين كيف استطاعت أن تجمع الكل من حولها فالكل في خدمتها والكل يحبها أكثر ما أتذكره وأنا طفله ذات أربعة اًو خمسة أعوام هي عندما تشدنا بقوة لتمثيل أدوار أطفال الحسين ع فتغطينا بالقماش الأخضر وقد نواجه ضربة خفيفة من هنا أوهناك أثناء المجلس وهي تلمح لنا بأن نصرخ (العطش العطش )كانت هذه الأدوار هي أمنية كل طفلة في المأتم فمن تختارها تشعر بالزهو والفخر . . كانت عمتي تشجع المواهب فكثيرا ما طلبت منها أن يكون لي دور في قراءة نعي قصير أثناء المجلس فتستجيب بكل رحابة صدر تسمتع عندما نطلب منها إحياء الليالي في شهر رمضان في مأتمها حتى أنها تخلت عن إحياء ذكرى وفاة الامام الرضا - رواية غير مشهورة- للترك لنا المأتم لإحياء ليلة القدر وكانت تتفاخر وتقول بنات أخي أحيو ليلة القدر أو نظموا الإحتفالات أما غرفتها فعشق آخر كثيرا ما كنت أتساءل في ذهني عن أثاثها الذي يبدو لي غريبا سريرها, سجادتها ، ملاءة سريرها الخشبي العالي كل شي في الغرفة والمكان كان مختلفا وخاصة رائحتها الفريدة التي مزجت من عطر خاص لا تشمه في أي مكان غير غرفة عمتي
يسوق لها ريشة المبدع الكاتب الأشم أبو باسل الدكتور الديري الذي لا يفتأ يحفر في أعماقنا ليفتش عن درر الماضي فيظهر للعالم أن من النساء البحرينيات من صنعن حاضرنا وسيصنعن مستقبل هذه الأجيال فكلنا تلاميذها
مرة أخرى ألقي إليَّ كتاب كريم إنه من د.علي الديري كتاب سيرة الحاجية بنت مزعل وصلني في الذكرى الأولى لرحيل "أمي السيدة"- معلمة القرآن والملاية-فكان لهذا الكتاب وقعه الخاص في قلبي. تمعنت في كل جزء منه، بدءًا من الغلاف، وصورة بنت مزعل، ملفعها الأخضر الملفوف نحو اليسار.. حجاب الحاجية كما كتبها يقرأ من اليمين نحو اليسار
الإهداء، لمن يرى بالبصيرة لا بالبصر. (وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا) لتعرف من هي بنت مزعل (فَأَتْبَعَ سَبَبًا ْ) من هي أم السادة؟ من هي سلامة سلوم؟ من هي الحاجية تقية؟
الشكر والتقدير في هذا الكتاب،جزء لايمكن تجاوز قرائته كأي شكر وتقدير في بقية الكتب . من خلال هذه الصفحات اتيحت لي فرصة التعرف على إجابات أسئلة كثيرة. كيف تكونت فكرة سيرة بنت مزعل؟ ماذا نحتاج لكتابة سيرة مماثلة؟ كيف يمكن تشكيل فريق عمل متعاون، إذا كنت في مغرب الأرض وفريقك في مشرقها؟
المقدمة، كما يسميها د.علي ،السيرة المصاحبة للسيرة. التمهيد، ما بال النسوة اللاتي كتبت سيرتهن؟ ليجيب: هن راودنني عن قلمي. "نساء القرية"، "سيرة تكوين ثقافية"، "التاريخ الاجتماعي من منظور النساء".
بروفايل بنت مزعل: هنا وقفت بنت مزعل أمامي، بل تشكلت صورتها ثلاثية الأبعاد، أراها واسمع صوتها. وكأنما أركب قطع أحجية puzzle لتكتمل الصورة بنت مزعل،هي الكوكب المحوري، ومن حولها حلقات كوكبية. الحلقة الأقرب، لتراها بعين أحفادها، تتضح جوانب أخرى من معالم شخصيتها، الحلقة الثانية، تراها كعمة.. الحلقة الثالثة ، من منظور التلميذات. الحلقة الرابعة، بعين المحبين الحلقة الخامسة قد تكون لمن قرأ سيرتها؟؟
نشكر الصديق الدكتور علي أحمد الديري لتنقيبه عن هذه اللآليء الثمينة التي تعتبر لنا إرثا وللأجيال القادمة معتمدا يتعرفو من خلاله على أرضهم وأجدادهم والدرجات العلمية التي وصلوا اليها بعصورِ يغط فيها غيرهم بالجهل والظلام. بينما هم بكلمات القرآن ووعي آباءهم يصلون لدرجات علمية متقدمة ويستطلعون على الدفين ليخرجونه للنور. هنا يتمثل الينا قلم الدكتور الديري بجهوده الجبارة والضليعة في التنقيب عن هؤلاء السيدات المطموسات الى الظهور وكتابة سيرهم المتوهجة لينير الينا الطريق اليهم وتبيان حياتهم . حقيقة كنا نحلم بأن يتوجه أحد الكتاب بقلمه الى حياة هؤلاء النسوة الجديرات بالتأريخ والأرشفة وإخراج ما يمتلكون من كنوز وجواهر وصقلها، هؤلاء اللاتي سبقن زمانهن بالحرف والكلمة ولم يوقفهن اي عائق او عرف عن ذلك. ل تصفحت السيرة وقرأتها ووجدتها ثرية جدا وغنية بالصور والأحداث والقصص الممتعة والجميلة التي برع الكاتب بكتابتها حتى انني خلت نفسي اتصفح البوما مصورا يحكي سيرتها لشدة جمال السياقات والتعبيرات ومجازاتها. الف شكر للدكتور علي أحمد
هل تنتهي سيرة المرء بموته .. أم أن ذكراة يظل أمتداد جيلً بعد جيل ؟!
من بعد أول سيرة قرأتها لسلامة سلوم رحمها الله جدة الكاتب و الدكتور علي الديري و أن أبحث عن السير الملايات التي كتب عنهن بشوق و حب. نحن الجيل الحالي بحاجة شديدة لهذه السير الملايات و معلمات القرآن ! بحثاً عن أثاروهن التي ترى بالبصيرة لا بالبصر . أنا يفيض قلبي بحب تلك النسوة التي أختصت بقراءة الحسينية و تعليم القرآن .. و في كتب الديري وجدت سحر الألهام، لتلك الأمهات الراحلات الاتي نشأنا على حب الحسين عليه السلام و عشنا في نعي الحسين و مصيبته . و منهن بنت مزعل التي رحلت و بقي ذكرها خالداً بصوتها الشجي ،كانت كلماتها سابقة لزمانها ، و لغتها تفوق اليوم لغة الكثير من الملايات ، تحكي التاريخ الأجتماعي من منظورهن ، كانت ملاذاً دافئاً للجميع و عطوفة .. شخصية استثنائية كل من عاصرها أحبها و أزددت حباً بها بعد قراءة سيرتها ..
ما أن تدخل مأتمَها المكتظ بالمستمعات المتلهفات لقراءتها، حتى يحدث الاستنفار "جاءت الحاجيّة" فينفتح لها الطّريق، وكأنّها ملكة متوّجة بالهيبة والوقار، وامتلاك قلوب النّاس، تتمركز في الصّدر، يُتوسّع لها في المجلس لا يزامحها أحدٌ في المكان الذي تستقر فيه، يُخيّم السّكوتُ والسّكونُ لحضات، قبل أن تشقه ..
الكتاب يوثق سيرة سيدة من سيدات المجتمع البحريني، خادمة أهل البيت عليهم السلام الحاجية بنت مزعل من خلال سيرتها وذكر محبيها ومن وعاشوا معها من قراباتها وصديقاتها ومعاصريها. من الكتاب نلاحظ اجماع على ذكر مزايا وصفات هذه السيدة الجليلة والكل كان يشدد على ذكر نقطة محبتها الكبيرة لأهل البيت وخدمتها للإمام الحسين عليه السلام بصوتها والابداع في النعي وتذكير الناس بمصاب سيد الشهداء في مختلف مناطق البحرين، مرضها وكسر الحوض الذي ألم بها ولم يمنعها من الخدمة والنعي لسيد الشهداء في أواخر أيام حياتها خلقت لنفسها خط رسالي مختلف ومتميز، عندما تذكر يذكر الناس صيتها وكلماتها وكتبي حجاب صوني.
خلفت اثر وأرث كبير ليس لأهلها فقط ولجزيرة سترة وانما في ارجاء البحرين كافة.
الجيد في الكتاب أيضا انه يلخص في صفحاته الأخيرة باللغة الإنجليزية سيرة الحاجية بنت مزعل لو أراد احد غير ناطق بالعربية الاطلاع على الكتاب ومعرفتها