بسم الله الرحمن الرحیم و الصلاة والسلام على اشرف الخلق و المرسلین ، سیدنا محمد وعلى آلھ و صحبھ أجمعین ، أما بعد؛ وحیث أن القضاء فریضة محكمة، وحیث یمثل القاضي ظل الله على الأرض، ولا یخفى على أي مجتمع مدني وجود جھاز قضائي یعنى بمسائل فض النزاعات بین أفراده و بین مختلف مكونات المجتمع بما فیھا الدولة، التي قد تدخل في نزاع مع الافراد، وھي بذلك تخلع عباءة صاحبة السیادة والسلطان، وتكون بجوار الخصم في مجلس القضاء، تحت الحق، فالقاضي لا أحد فوقھ إلا ربھ. لا شيء یستحق الزھو الھائل مثل منصب القضاء، ھالة الوقار الواضح في كرسي القضاء شخصیات القضاة ودقة الكلمات الخارجة من أفواھھم وحسن انصاتھم، وعمق تفحصھم بشائك المسائل وأدق السطور. واحاطتھم بدقائق الامور وتغافلھم عن كل شائن محظور، حین تمعن النظر بوجھ قاض ترى شیئا من شھادتك إذا كنت شاھداً، ترى شیئاً من مصیرك إذا كنت متھماً، ترى شیئاً من حقك إذا كنت شاكیاً. وإن امعنت أكثر تجد خطوط وجھھ ترتسم مع كل كلمة یسمعھا، قد تظھر في بؤبؤ عینھ وترى شیئاً من مصیرك ، لذلك كانت النظارة السوداء رداءً لوجھ القاضي ردحاً من الزمن، كالرداء الأسود ،كالمطرقة و المیزان و حقیبة القاضي الملیئة بمصائر الناس. الأدق من ھذا نبرة صوت القاضي، وتتبعھ لكافة التفاصیل! یحدث كثیراً إذا كان من یتحدث بانسیابیة في مجلس القضاء وقال القاضي بشكل مفاجئ: "یعني قصدك.."!، ھذه الـ "یعني" مسؤولة عن الكثیر مما سیقال، وتحمل في طیاتھا سؤال باطني في ذھن المتحدث نفسھ! " ماذا كنت أعني بما قلت؟!". القضاة -كما قال الصحفي علي عبیدات- الذین ابتسم حین أراھم وطبعاً أشعر بإجلال یخالطھ الخوف )لأني مواطن صالح( بشر مثلنا، لكننا نحب أن نراھم دائما على ارتفاع ألف قدم منا نحن غیر القضاة، لأن اھتزاز أو ارتجاف أو خطأ مواطن مثلي یمكن تعویضھ لكن خطأ القاضي بمصیر وحیاة كاملة. في المناسبات الاجتماعیة وھم یجلسون بین الحشود، یظھرون أكثر منھم طبعا! إلا أن نظافتھم الناصعة الطاھرة على وجوھھم تجعلك تمیز وتفھم لدرجة أنك تنسى من یجلس بجانبھ. القاضي أیّاد للحق ناقض للظلم فارس لا یركب الخیل خوفاً من اعتداده بنفسھ أو من ظلم فارس آخر قد یأتیھ مذنبًا، القاضي رجل یدمنُ قول لا ولا أحد فوقھ إلا ربھ. وإزاء ھذا، كان واجباً تألیف ھذا الكتاب لیكون دلیلاً على كل من یتولى منصب القضاء ان یراعي أدق التفاصیل، وعلى من یوكل إلیھ اختیارھم العبء الكبیر، إرشادیاً لتولي منصب القضاء. وكان حصر ھذا العمل البحثي في القضاة النظامیین ممن یتولون مسائل مدنیة وتجاریة، ذلك ان العصر الإسلامي والموروث العربي في سابقھ كان یخصص مدارس و مذاھب لتولي القضاة في مسائل المعاملات لا مسائل الجراح التي كان یتولاھا الحكام والولاة حتى آخر العصر الأموي. فكان البحث ینصب على تولي ھذه المسائل، وبما وكابھ التطور القانوني والقضائي في ھذه المسائل مستعیناً بدورة تدریبة متخصصة في ھذا المجال عقدت في دولة المانیا في الاتحاد الاوروبي مع عدد من القضاة المتخصصین في المسائل التجاریة والاقتصادیة والمدنیة، التي تم جمعھا في تقریر خاص حول ھذه المسائل وتھذیبھا للخروج بھذا العمل تعیین القضاة وتدریبھم في المسائل المدنیة والتجاریة : دراسة مقارنة ، والذي تم تقسیمھ إلى ثلاثة اجزاء الاول یتحدث عن الموروث العربي و الاسلامي للقضاء بشكل عام وذلك لكون كل قضاء في كل دولة تمثل إرث قضائي یعكس اجیال من التطور و الازدھار، واما الجزء الثاني یتناول تقریر دورة تدریبة متخصصة في مجال القضایا المدنیة والتجاریة في التجربة الالمانیة لما لھا أثر عمیق في فھم النظام التجاري والاقتصادي لأھم دولة اقتصادیة في العالم وكیف تعامل النظام القضائي مع ھذه المنظومة. وختاماً كان الجزء الاخیر متعلقاً في أسس تولیة القضاة و انتقائھم وتدریبھم للتعامل مع ھذه المسائل من مختلف تجارب دول العالم المتبقیة كالفرنسیة والامریكیة. وفق ما یلي : الفصل الاول: نبذة تاریخیة عن القضاء العربي و الاسلامي الفصل الثاني: تقریر دورة مكثفة حول القضاء التجاري و المدني في دولة ألمانیا. الفصل الثالث: آلیة تولي المنصب القضائي وتدریب القضاة ولم نغفل عن تقدیم ملاحق تتعلق بالدورات التدریبة المقدمة في الدولة الالمانیة و تعلیمات مقترحة لتولي منصب القضاء في المسائل المدنیة والتجاریة و تدریبھم لیحظى ھذا الكتاب بكامل ادوات الازمة لحمل رسالتھ في تولي منصب القضاء في المسائل المدنیة والتجاریة، ولعل الله یوفقنا و إیاكم للاستفادة من ھذا العمل لحمل القاضي ....... إیاد عاید السمحان عمان، الأردن 2020