كتاب يرصد تأثير ظاهرة النقل والترجمة من اللغات المشهورة إلى اللغة العربية، في القرون الهجرية السبعة الأولى، على التطور العلمي والثقافي والحضاري الإسلامي أولًا والإنساني ثانيًا.
أ.د علي بن ابراهيم الحمد النملة الرجُل الذي عُرفَ بكتاباته عن الاستشراق، و توسعه فيه: تخرجَ في مُقتبل مسيرته الأكاديمية من جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية تخصص لغة عربية عام 1390هـ/1970م ثمَ درسَ الماجستير في جامعة فلوريدا تخصص المكتبات و المعلومات و تخرّجَ سنة 1399هـ/1979م و حصلَ على دكتوراه المعلومات والمكتبات جامعة كيس وسترن رزرف، كليفلاند/ أوهايو 1404هـ/1984م
أبرز المناصب التي تولاها: - تدرّج في العمل الأكاديمي معيداً في كلية اللغة العربية حتى أصبحَ أستاذاً مشاركاً ثمَ استاذاً في جامعة الإمام محمد بن سعود في قسم المكتبات و المعلومات. - عضو في مجلس الشورى. - تقلد منصب وزير العمل و الشؤون الإجتماعية، و تُذكر لهُ جولاته في الأحياء الفقيرة بمعية الملك عبد الله. - باحث في معهد العلوم العربية والإسلامية بفرانكفورت ألمانيا - يُحاضر حالياً لمادة الأستشراق في كلية اللغات والترجمة بجامعة الامام محمد بن سعود الاسلامية بالرياض
يُذكر أن له ما يقارب الأربعينَ كتاباً في مبحث الاستشراق، و يتحدّث العربية و الإنجليزية و شيءٌ من الألمانية.
هذا الكتاب دراسة لبيان تأثير ظاهرة النقل والترجمة من اللغات المشهورة إلى اللغة العربية في القرون الهجرية السبعة الأولى على التطور العلمي والثقافي والحضاري الإسلامي أولاً، ثم الإنسان ثانياً، مع الوقوف على الجوانب التي ساعدت على النقل والترجمة.
♡ العوامل التي ساعدت على أن يكون للغة العربية شأن كبير لتطغى على بقية اللغات الأخرى التي عاصرتها كاليونانية والسريانية والفارسية والمصرية والهندية والحبشية، هي: * انتشار الإسلام في القرن الأول الهجري حاملاً معه اللغة العربية. * الحروب الصليبية كان لها كبير الأثر في تعميق إتجاه غير المسلمين لدراسة لغة المسلمين، وعلومهم في الماضي، حتى تحولت بعض الإمارات الصليبية مثل: أنطاكية وطرابلس إلى مراكز للترجمة والتعليم، وكانت مجالاً واسعاً للمزيد من التركيز من قِبل علماء الغرب الذين تخصصوا في دراسة علوم المشرق، وهذا ما نعبر عنه اليوم بظاهرة الاستشراق.
♡ تطور حركة النقل والترجمة
》في العصر الجاهلي كانت هناك تبادلات تجارية استدعت معرفة اللغات وربما النقل منها، اعتمد فيه عرب الجاهلية على الذاكرة والتطبيق أكثر من اعتمادهم على الكتابة.
》في عصر صدر الإسلام زاد حجم الإتصال بالأمم الأخرى، وأرسل الرسول عليه الصلاة والسلام الوفود تحمل رسائل منه تدعو ملوك الأمم الأخرى إلى الدخول في الإسلام، وكانت الرسائل باللغة العربية فتنقل إلى اللغات المرسلة لأهلها عن طريق المترجمين.
》في العصر الاموي * بدات حركة النقل والترجمة مع الخليفة الأموي معاوية بن أبى سفيان - رضي الله عنه - فكانت مكتبته بدمشق تُعد المركز الأول من مراكز النقل والترجمة إلى اللغة العربية * طور الخليفة خالد بن يزيد هذه المكتبه وسماها بيت الحكمة - والتى تعد المركز الثاني من مراكز النقل والترجمة - فأغناها بكتب الحديث والكيمياء والفلك والطب والفلسفة، وأنشأ فيها حركه لنقل الكتب الأجنبية وترجمتها من اللغات السريانية واليونانية والقبطية واللغات الأوروبية الأخرى إلى اللغة العربية. * فى زمن خلافة مروان بن الحكم نُقل أول كتاب طبي إلى العربية * لظاهرة النقل والترجمة في عهد عمر بن عبد العزيز نصيب يكاد يأتى بالمقام الثاني بعد إهتمام خالد بن يزيد * خفتت ظاهرة النقل والترجمة في أواخر الخلافة الأموية.
》في العصر العباسي * جاء الخليفه أبو جعفر المنصور فأقام حركة النقل والترجمة من كبوتها، وأنشأ ديواناً للنقل والترجمة. * الخليفة هارون الرشيد اهتم بالنقل والترجمة، وفي عهده لم يعد الأمر مقصوراً على الخليفة أو الأمير أو الولي بل إن الموسرين وأهل الغنى التفتوا إلى هذا الإتجاه، فأنشأوا المراكز التي عُنيت بنقل الكتب وترجمتها إلى اللغة العربية بعد جلبها من بلاد الروم وجلب من يقوم على نقلها للغة العربية * توسع بيت الحكمة ببغداد في عهد هارون الرشيد، وبلغ قدراً كبيراً من الازدهار في خلافة المأمون، حيث يعد عهده أرقى مراحل النقل والترجمة من حيث الكم ومن حيث الكيف. * بدأت علوم المسلمين تُنقل إلى الممالك الأخرى المجاورة كالهند والصين وأوروبا عن طريق الأندلس وصقلية، فقامت مراكز نقل وترجمة من اللغة العربية إلى اللغات الأوروبية
♡ الآثار الإيجابية لحركة النقل والترجمة
١) حفظ التراث الإنساني اليوناني الأغريقي والهندي والفارسي والمصري (القبطي) من الضياع ٢) صقل هذا التراث العالمي، وبيان ما فيه من خلل وتعديله عن طريق المراجعات والنقد والإضافة، فلم يكن المسلمون مجرد نقلة فحسب ٣) تمكن الأوروبيون من إعادة نقل تراثهم من اللغة العربية إلى اللغة اللاتينية واللغات الأوروبية الأخرى بعد أن تعلموا اللغة العربية ٤) قيام حضارة إسلامية راقية جمعت بين العلوم النقلية والعقلية، فقد ساعد النقل والترجمة على بروز الإتجاه العقلي بوضوح في أفكار المسلمين ٥) ظهور حضارة إسلامية تتميز بالشمولية والعمق، مما جعلها في مستوى مقبول من قبل الأمم الأخرى التي سعت إلى تبنيها أو تبني أجزاء منها رأت أنها تناسبها ٦) تسهيل المهمة أمام علماء العصرين الوسيط والحديث في استكمال ما قدمته الحضارة الإسلامية للعالم من اختراعات وابتكارات وتطورات علمية في شتى الميادين ٧) اتسعت اللغة العربية بالمصطلحات العلمية والتعبيرات الفلسفية التي انتقلت إلى العالم مع انتقال نتاج الحضارة الإسلامية إلى اللغات الأخرى ٨) اثبتت ظاهرة النقل والترجمة قدرة اللغة العربية على استيعاب المصطلحات ووقوفها مع المستجدات، وشمولها للعلوم والمعارف والآداب ومرونتها في احتواء الجديد من المصطلحات المعربة والمنحوته ٩) اتسع مجال الأدب العربي بما أُدخل عليه من تعبيرات وأفكار ومعانٍ وخصائص جديدة ١٠) ازدهرت مهنة الوراقة والوَّراقين ١١) ظاهره النقل والترجمة من الممهدات المهمة لحركة التأليف التي أفادت من التراث المنقول، واتجه الناس إلى العلم والدراسه من خلال التعليق والتصحيح لما تمت ترجمته، ثم التأليف في الموضوعات نفسها، وفي موضوعات جديده مما أثرى المكتبة العربية الإسلامية بالانتاج العلمي ١٢) نتيجة للتسامح الديني مع اهل الذمه والمجوس ظهرت المناظرات بين المسلمين وأصحاب الفلسفة من الديانات الأخرى ١٣) استفادت الحضارة الإسلامية من علوم الغير في ترسيخ علوم إسلامية ذات علاقة بالحساب والجبر والهندسه ١٤) كونت جسراً فاعلاً من الحوار مع الحضارات الأخرى السابقة على الحضارة الإسلامية وبالتالي اللاحقة لها
♡ الآثار السلبية لحركة النقل والترجمة
١) كانت ظاهرة النقل والترجمة مجالاً واسعاً لتسرب ثقافات الغير إلى الثقافة العربية الإسلامية ٢) كانت مدخلاً لسوء استغلال التسامح الديني مع أهل الذمة. " مع كل هذا التسامح والانفتاح بقى فريق منهم حانقين، معاندين للعرب والاسلام، قاموا باخراج كتب الديانات الفارسيه القديمه من ظلمات مخابئها وسعوا لنشرها بين الناس وجندوا جهودهم للطعن في دين العرب وتشويه تاريخهم ونشر نقائصهم ومعايبهم وتحويل كل فضيله لهم الى رذيلة" ٣) تفتيت الثقافة الإسلامية باستشراء المنطق والجدل وبالتالي علم الكلام ونشوء فرق آثرت تغليب العقل على النقل مما أوجد شرخاً في وحدة الأمة العقدية ومزقها إلى فرق. ٤) نتيجه الإعتماد على بعض النقلة غير المتخصصين، صاحب النقل عجز في الدقة والعمق، لا سيما في معرفة المصطلحات واللغات العلمية للموضوعات المنقولة. ٥) نتيجة الاعتماد على النقلة والمترجمين السريان جاءت جملة من الترجمات عن اليونانية مصحوبة بأخطاء فاحشة وأعمال منحولة وافتقار إلى الأمانة العلمية. ٦) كان هناك جملة من النقلة لم يكونوا يجيدون اللغتين المنقولة إليها والمنقولة منها إجادة تامة، وبعضهم لا يجيد لغة من اللغتين إجادة تامة، وكان لهذا أثره على عدم الوضوح في الأفكار المنقولة ٧) كان لحركة الترجمة والنقل مجالاً واسعاً لنفر من المستشرقين في ترسيخ شبههم حول العلوم الإسلامية واشتقاقها من علوم سابقة، ساعين إلى التوكيد على زعمهم بعدم أصالة العلوم الإسلامية، وأنها مستمدة من الثقافات النصرانية واليهودية واليونانية ٨) الاختلاط بالثقافات الأخرى وحركه النقل والترجمة ساهمت في توكيد مفهوم الفلسفه في الإسلام. فصارت تُنسب إلى الإسلام، وكأنها علم من علوم المسلمين، ويدور جدل ونقاش إلى اليوم حول مدى صحة هذا الإطلاق.