تشكل مغامرة الفكر المعتزلي تجربةً استثنائية في تاريخ الفكر العربي ، لأن هذه التجربة قدمت مغامرتها النقدية بمعزل عن الفكرين الهندي واليوناني ، برغم ما أثير حول تأثرها بهما من ضجيج مفتعل . فمنذ زمن غيلان الدمشقي ، تكونت حركة القدرية الأولى في دمشق ، غير أن مروان بن محمد تمكن من إخماد هذه الحركة مرتين ، مما اضطرها إلى الرحيل إلى البصرة وتطوير مبادئها الخمسة تحت عنوان الاعتزال في زمن واصل بن عطاء وعمرو بن عُبَيد . وسرعان ما استطاع جيل النظّام والعلّاف ابتكار بعض النظريات والمفاهيم الأساسية الفريدة ، التي تستحق المراجعة والفحص وفي وقتٍ مزامن تقريباً ، أطلق قاضي البصرة أبو الحسن العنبري نظرية متسامحة في المعرفة . يتابع هذا الكتاب تاريخ الاعتزال في مراحله جميعاً ويستكشف رغبة المأمون في تحويله إلى عقيدة ناجية وسنة قويمة ، ثم الردة التي حصلت في عصر المتوكل حين قلب المحنة على المعتزلة . ولكون الاعتزال حركة تمتد على مساحة زمنية تقرب من ستة قرون ، يقدم الكتاب خلاصة وجيزة لأفكار أهم أعلام المعتزلة . مثل الجاحظ والناشئ الأكبر وأبي القاسم الكعبي ، والمذهب البغدادي في الاعتزال ، وانكفاء معتزلة البصرة وأفول مذهبهم ، وصولاً إلى النسخة المعيارية التي أراد القاضي عبد الجبار إنجازها ، ماترتب عليها من فكر استحدثه المتكلم البغدادي المهم أبو الحسين البصري . وينتهي الفصل الأخير بعرض الخيبة المأساوية التي عاشها فكر ابن الوليد البغدادي ، ومحاولات الحاكم الجشمي وابن الملاحمي والزمخشري إنقاذ التجربة المعتزلية من براثن الاستعداء الذي كلكل عليها ونهشها ، وانتهاء بآخر معتزلي معروف في أفق العالم ، ألا وهو ابن ابي حديد البغدادي
سعيد الغانمي كاتب وباحث ومترجم عراقي يقيم في أستراليا، ، ولد في العراق عام 1958م وله أكثر من 46 كتاباً بين مؤلَّف ومترجَم.
انشغل الغانمي في بداية ثمانينات القرن الماضي، وهو طالب في قسم الترجمة بكلية الآداب، جامعة الموصل، بعلم اللغة، أو الألسنية، فكانت ثمرة ذلك أول كتاب له عنوانه “اللغة علما” (صدر في بغداد سنة 1986).
كتاب مهم يأخذنا في رحلة شيقة إلى عقول أعلام فرقة من أهم الفرق الإسلامية: المعتزلة، يبدأ البحث حول القدرية الأوائل في العصر الأموي، ويفرق بين المتخيل والحقيقي في سيرهم، ثم يتطرق إلى الرواد الأوائل للمعتزلة واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد، يدرسهم في سياقهم التاريخي، ويبين أصولهم ومحاولات نشر دعوتهم، ثم ينطلق بنا الكتاب إلى دراسة أحد أهم أعلام المذهب وهو النظام وجيله وخبايا المذهب الذري ونظرية الطفرة.
وتطرق المؤلف إلى الاعتزال في عصر المأمون؛ فيرى أنه قد جرت محاولة فرض الاعتزال عقيدة قويمة في ظل دولة المأمون، لكن هذا الرأي فيه نظر، وقد وضح باحثون حقيقة اعتقاد المأمون الجهمي، وأن دور المعتزلة في المحنة وفي سياسة دولة المأمون عامة ليس كما تصوره البعض، وإن كان المؤلف قد أكد أن المذهب البغدادي في الاعتزال قد نأى بنفسه عن المؤثرات السياسية بقدر الإمكان، وذلك بخلاف المذهب البصري.
ودرس المؤلف تطور أوضاع الاعتزال منذ عصر الجاحظ حتى أفول الاعتزال البصري، والانقلاب المتوكلي، ثم إحياء الاعتزال في عصر أبي هاشم الجبائي، وتسليط الضوء على جهود القاضي عبد الجبار، وآراء أبي الحسين البصري الذي يعتبره المؤلف أول متكلم يتفاعل مع النماذج المعرفية التي تقدمها الفلسفة، ثم يختم الكتاب فصوله بالكلام عن مغيب وانطفاء الاعتزال، وعن بيان الاعتقاد القادري، لكنه لم يغفل التحدث عن من أطلق عليهم "أشباح المدرسة البغدادية" مثل الحاكم الجشمي والزمخشري وركن الدين بن الملاحمي وصولا إلى آخر المعتزلة المعروفين ابن أبي حديد.
للكتاب ميزات عدة، فقد حاول أن يقدم رؤيته الموضوعية لتطور الفكر والتاريخ المعتزلي، وقد اعتمد على مصادر ومراجع مهمة، ويلاحظ اعتماده الكبير على موسوعة فإن إس "علم الكلام والمجتمع" والاطلاع على أهم الدراسات الغربية ونتائجها مثل دراسات شميدتكه وفيلفريد ماديلونغ وغيرهما، كما أنه جمع بين التاريخ السياسي الاجتماعي والتطرق لأهم أفكار أعلام المذهب، ومن طريف ما تطرق إليه الكتاب ما أطلق عليه "نظرية العنبري في المعرفة" والتي نجد صداها عند الجاحظ؛ وهي باختصار نظرية تقول بنسبية المعرفة فبالتالي ضرورة الإعذار والتسامح مع المجتهدين في الأصول ولو كانوا على خطأ، لكن الجاحظ يختلف مع العنبري في أن الأول يقول إن الحق واحد وليس كل المذاهب على حق، لكن المجتهد الذي بذل وسعه في البحث، أو لم ينظر إذ لم يعرف ضرورة النظر هو معذور.
وفي آخر الكتاب ملاحق مهمة مثل خطب لواصل ابن عطاء، وقطع من كتاب "النكث" للنظام، وأشعاره، وقطع من كتاب المقالات لأبي عيسى الوراق، وملاحق أخرى.. ويحتاجون الكتاب إلى مراجعة نقدية تكشف عن مدى دقة ما تطرق إليه.
عملٌ فكري ثري من قبل الدكتور سعيد الغانمي ممتع ومفيد يكاد يكون سيرة شبه شخصية للفكر المعتزلي تكاد تشبه واقعنا الراهن إذ ان كل طرف / تيار حزبي يكفّر من يختلف معه بالرأي ...