«يخاف الإنسان عادةً من نفسه، من الحقيقة الكامنة بداخله، من مشاعره. يتحدث الناس عن أن سريان العاطفة في مجرى الحياة أثمن ما يمتلكه المرء، ولكن هذا محض هراء. العاطفة تجرح. المشاعر مضللة. يتذكر ألتون كيف كان يستمع إلى شيخ حارته في صغره عندما كان يُعلِّمهم أن الألمَ شرٌّ وضعف، وأن القوة إيمان وحنكة. كيف لهم أن يتعاملوا مع العاطفة إذا كانوا يهابون الشعور بالوخز؟ إن أثمن ما قد يتعلَّمه المرء هو أن الألم أسمى المشاعر على الإطلاق! خُلق الألم لكي يوقظنا من غياهب الحسرة. يحاول الناس إخفاءَ أنينهم، ولكن ما لهذا إلا أن يزيدهم حرقةً، قُدِّر للألم أن يُحمَلَ كما يَحمل المحاربُ رفيقَه الجريحَ في حرب طاحنةٍ........»
يأخذنا الكاتب في رحلة من خلال عيني بطله "ألتون"، في هذا الرحلة ستشهد أنواعًا مختلفة من الحروب ولكن أهمها حربك مع نفسك والذي يوضحه الاقتباس: وهناك الحرب الكبرى؛ الحرب الحقيقية، وهي حرب النفس، حرب الإنسان" تجاه ذاته، تجاه ماضيه وحاضره، تجاه ذاكرته الغير قابلة للنسيان، تجاه الندم والحسرة، وحربه تجاه الألم والفقدان، بئس الحرب هي حرب الضمير، وانتفاضة الروح".
شهدت صراعاتي النفسية وتفكراتي الفلسفية خلال قرائتي للرواية، بالإضافة للتشويق و الاستمتاع كما أحببت إضافة الكاتب للمفردات اللغوية التي أثرت عقلي. تجربة أولى موفقة للكاتب، نتمنى منه الاستمرار وحسن المثابرة في تقديم مثل تلك التفكرات التي تقترب من صراعات النفس البشرية
في البداية، تظنُ أن الضّليل كأي رواية فانتازيا عاديّة، فهناكَ البطل المغوار الذي أودت به الظروف القياسية جدًا إلى مكانٍ معد مسبقًا لينقذ فتاةً جميلة في تلك المملكةِ البعيدة، الموجودةِ في خيال الكاتب فقط، روايةٌ تمرُ عليك مرور الكرام لتضفي بعضًا من البهجةِ والتسلية ليس أكثر، بل ويمكن أقل. لتكتشف مع مرور السطور والفصول أنها ليست مجردَ رواية، إنها فكرة، فكرةٌ جامحة. كيف يرفض الإنسان أن تمر السنونُ تباعًا وهو "محلك سر" أن لا تخلو حياته من التكرار والمُعاودة؛ فكل يوم هو أمس، وكل أمس هو ماقبل أمس، وكل أمسٍ سيصبح غد. فيسعى ويطمح، لتُلقي به الصُدف في غياهب المغامرة. المغامرة، تلك الغريزة التي تفوقُ غريزة البقاء. يجاريها الإنسان لعل يجدُ لحياتِه نكهةً أو معنى. فيكتشفُ بين ليلةٍ وضحاها أن سعيَه ماكان إلا للشقاء ويقعُ فريسةً لعقلِه وأفكاره. أكان عليه اعتزالُ حياتِه القديمة؟ أهو راضٍ بما أودعه له القدر؟ وأين الله من تلك الحياة؟ صراعٌ دائم يجافي العيونَ النوم. حقًا لقد خلقنا الإنسان في كبد. أولسنا جميعًا؟.
أسلوب رائع وألفاظ سهلة ولكن قوية المعنى تخاطب القلب جميع الشخصيات تشعر وكأنها حية حتى انك تشعر بكل ما يشعر به البطل "ألتون" نهاية رائعة أتمنى أن أقرأ للكاتب أكثر من مجرد كتاب واحد بالرغم من أنه كتاب بمثابة المكتبة