هنالك تطلَّع في صمت كعادته. ينظرُ إلى الفتية وهم يلعبون الغميضة ويختبئون بين أشجار المانجو والليمون الكثيفة. ينظرُ إليهم بغبطة. يكبحُ جماح الرغبة التي لطالما راودته عندما كان في مثل سنهم. ودَّ لو أنه يستطيع أن يشاركهم اللعب. لكنْ فات الأوان. قد أصبح يافعًا. لا يحق له ما يحق لهؤلاء الأطفال. لم يعرف للطفولة معنىً إلا الحرمان. الحرمان الذي رافقه حتى الآن عجَّل بجعله رجلاً مستقلاً يملك إرادته ورأيه وهو في الرابعة عشرة.
رواية تحكي قصة "خلف" الذي أخذته رغبته في الهروب من وضعه الأسري المفكك في قريته الصغيرة الغيل في الرستاق في عمان، ليذهب في رحلة عمر طويلة امتدت محطاتها ما بين عمان والصومال، مارس خلالها مهن ما بين بحار وتاجر وعسكري، لكنه يفقد في رحلته الكثير من احبائه وأصدقائه بسبب الحرب والمرض، ويعيش ظروف الحرب العالمية الثانية في الصومال، ولكنه كما بدأ رحلته هاربا وراغبا في تغيير حياته وجد نفسه في النهاية هاربا من الحرب ليعود الى وطنه وقريته وقد غيرته الحياة التي لم تتغير، ليبقى يصارع ظروفه حتى وفاته في مكان بداية رحلته.
في رايي، الرواية جيدة ولكن احداث الرواية فيها أحيانا تسارع غير متزن وغموض في بعض أجزاءها، كما ان ردود الفعل في المشاعر على بعض الأحداث الحزينة والسعيدة غير منسجمة وجعلت الرواية تبدو جافة بعض الأحيان.
فتى القرية والجبل في رستاق، بحارًا وعاشقًا في صور العفية، تاجرًا وأبًا.. وجنديًا في الصومال، يروى لنا الكاتب تفاصيل قصة "خلف" -كما سمعها- الشاب العُماني البسيط الذي انتهت به الأحداث في جيش بينيتو موسوليني خلال فترة صعود الفاشية بالعقد الثالث من القرن العشرين (1922-1928)..
إن انتقالات الكاتب ببطل الرواية في عوالم مختلفة "أكسبته شخصية عُمانية متفردة، غامضة، هادئة، متزنة، لديها نهم منقطع النظير لكل ما هو جديد، أردتها أن تصمد إلى النهاية، لأقدمها مشروعا ًحياً للأجيال القادمة، عطاءً لا ينضب، فرصاً لا تنتهي، وذاكرة لا تبلى".
اقتباس: "تجري رياح الأقدار بما لا نشتهي وتفتح الحياة نوافذها وتجبرنا الأيام على أن نمضي قدما وأن نتقبل هزائمنا بشيء من الصبر"
"لكنه يظل الوطن ونحن نتمي إليه كما ننتمي إلى أمهاتنا.."
سيرة رجل مليء بالطموحات والأحلام في اراضي بائسه ، سعى الى الركض وراء طموحاته بدايًا من قريته الصغيرة الغيل الى صور ثم نزوحًا الى الصومال وبعدها إيطاليا التي عاش فيها الحرب العالمية حتى انتهى به الحال عائدًا الى مسقط راسه.
وسط الهدوء في قرية الغيل بمحافظة الرستاق حيث الجبال الشامخة تحيطها، أصرّ "خلف" على المغامرة ليعيش الحياة. فكانت التجارة سلواه لينهل من الخبرات على ضفاف البحار. ضاقت به الحياة خاصة مع فترة الحرب العالمية الثانية، ليرتحل إلى الصومال ويكمل ما تبقى من التجارة. ثم تشتد الظروف في الحروب. ليتنقل إلى إيطاليا، من خلال ألبرتينو الإيطالي الذي كان له النصيب من معرفته، لينتقل هناك مع جيش موسوليني وسط أصوات الحروب الصاخبة بين السلام والحرب.
عانى من مرارة الفقد ما عاني، افتقد زوجته ثم ترك أبناءه لأجل نصيبه من الرزق. عاني من الاشتياق لقريته الهادئة البسيطة. لينتقل هذا الاشتياق حتى مع ألبرتينو. ويبقى رغم مرور السنين السريع حتى القرن الحادي والعشرين. بقت مثل برواز خالد في صفحات ذكرياته.
تلخص الرواية مفهوم تَقَلُّب الأحوال والظروف، حيث لا تكترث بإنسان بسيط ولا على متعلق بالأطلال القديمة. ويسير ذلك التقلب من شموخ الجبال مرورا بضفاف البحر حتى أيقاع المعارك الصاخب !