ما الذي أحاولُ النّجاة منه طوال الوقت؟ أن أُهجَر مثل شوكةٍ مكسورة؟ الفرار من ضفّةٍ لأخرى في ملحمة الشّتات اللا نهائية؟ نثر الكتب في كلّ بلادٍ تطؤها أقدامي التّائهة، لتكون رحلة العودةِ أسهل؟ هل هي أسهل؟
أما "أعرف صوت الساعة" فقد كان أشبه بالمانفيستو الطويل والخاص ببثينة الإبراهيم ذاتها. مانفيستو اكتئاب الغربة، حالة الانفصال عن المكان/ المأوى والملاذ، والذي نعود إليه بأمان العائد إلى بيته.
منذ صدور الكتاب وأنا أحفظ نسخة مطوّلة من عنوانه في رأسي «أعرف صوت دقّات الساعة» حتى صورة الغلاف في رأسي مطابقة لغلافه الفعلي غير أن العنوان في سطرين على خلاف ما هو في الواقع. من أجل حيل الدماغ هذه تأخر حصولي على الكتاب، إذا لا أجده كلّما بحثت عنه في متجرٍ ما، قبل أن أتفحّص صورة لغلافه وأقرأ العنوان الصحيح.
ليست قراءتي الأولى لبثينة الكاتبة، فقد سبقتها قراءات متفرّقة لها في المواقع الإلكترونيّة، من تلك القراءات علق في ذهني سطر العنوان المطوّل.
منذ الصفحات الأولى نمت بيني وبين الكتاب ألفة شعرت معها كأن الكتاب رسالة مطوّلة تخاطبني فيها وتخصّني بها. أحببت عذوبة اللغة كثيرًا -أحب لغة بثينة كلما قرأت لها، كتابةً أو ترجمةً، أحبّها بقلبٍ كامل-، التقاطات ذكيّة وصور مدهشة، كتابة محمّلة بالفطنة والنباهة لمواطن الجمال، والألم. بقدر ما أحببت الكتاب، لكنه مختلف هذه المرة عن كتب المذكرات أو النصوص الذاتيّة التي قرأتها من قبل، إذ مهما أفصح الكاتب وقدر على البيان، تظل التجربة الإنسانيّة التي يكتب عنها تجربة إنسان آخر، ثمة حاجز بيني وبينها يجعلني بعيدة نوعًا ما، أو منفصلة -ما لم تتقاطع مع حياتي-، أما هذه المرة ففي رأسي صوت يقول: بثينة صديقتي مرّت بكذا، وشعرت بكذا، فأجد في نفسي صلة لا تنتظر معايشة ذاتيّة.
تكتب بثينة برقّة شديدة، ورغم أنها تكتب عن الغربة والألم والفقد والخسارات والمخاوف والترحيل أو الرحيل، عن كل هذه الفجاجة التي لا سبيل كي تُلطّف، تجد متسعًا لتداري، بلغة رقيقة وإن كانت نافذة مباشرة إلى الشعور، مثلما تفعل الحقائق الحادة. شعرت كأن هنالك حذر من جرح القارئ مهما كانت قسوة ما تكتب عنه، وتأكد لي هذا في نهاية الكتاب، حين كتبت بثينة التي تكتفي «بطيّ بعض الأفكار بدلًا من سحقها» عن الإزهار، وكأنها تطمئننا، إذ ورغم كل شيء؛ أعوام الصمت، والمدن الغريبة، رغم كلاكيتات البلاد والليالي والغياب، تتمكن من الكتابة بنبرة مترفّقة للغاية:
«أظنّني أزهرتُ بدلًا من أحلامي، دونَ أن أعرف كيف أو متى، لكنّي أزهرت. وكانت ثماري «هائلةً لشجرة» حزينة بما يكفي، سعيدة بما يكفي. أفكّك أحجياتِ المياه، فأتشابك أكثر!»
بحثت عن الكتاب مطولا، اردت التعرف على بثينة الكاتبة كما خبرتها كمترجمة، ففي الكتابة بوح خاص، يعكس الانسان ذاته، بعكس الترجمة الناقلة لشخص آخر
نصوص من القلب، تحكي عن الغربة، الوحدة والفقد .. لكنها برأيي خضعت لقلم الرقيب المتمرس في الادب العربي، ما أفسد بالنسبة لي حميمية السطور بسبب جودتها الفائقة :)
لكن بقيت بعض الكلمات حاملة لدفء الشجن الكامن في ثنايا الابراهيم، خاصة عند حديثها عن امها
"وجه امي الثابت الوحيد في عالمي المترنح"
انتظر لبثينة اصدارات قادمة كثبرة تحمل رسوماتها، وما اظنه مكدسا في ادراج مكتبها
" أنا أنتظر وجه أمي سلام على أمي في عام سكونها الأول "
أعرف صوت الساعة تيك .. تيك .. تاك ذاك الصوت الذي يزيد من حدة الأرق و يرعبك .. كم أنتِ وحيداً في هذا العالم تكتب بثينة الإبراهيم في أصدارها الأدبي الأول ضمن مبادرة رواشن للسرد .. في مونولج طويل تبوح الرائعة بثينة بمكنوناتها الدفينة .. في غرفتها الباردة تحكي عن أبسط الأشياء التي تؤرقها بثينة الإبراهيم هذا الأسم الذي أثق بترجماته و أعشق كل ما تطرحة من أعمال كم أحببت هذا االسرد العذب .برغم سوداويته
تكتب بثينة عن صراعها مع الوقت، واعترافها بالغربة وعدم الانتماء، وخوفها من الوحدة، وافتقادها لأمها؛ الثابت الوحيد في زمانٍ مترنّح. في عالم الكاتبة، الجمادات حاضرة، تشعر وتترنح وتصدر الأصوات. يُمكن سماع تكّات الساعة وتحسس العتمة أثناء قراءة هذا الكتاب، مع شعورٍ بالدوار، كالذي رافق الذبابة المسكونة بروح البجع.