رواية ذات غلاف رقيق بلون سماوي يطالعنا فيه وجه فتاة بدون ملامح سوى شفتان وبأسفل منها معالم مدينة ما ..
على الغلاف من الخلف سطور للكاتبة عن يوم انتظرته بطلتنا بفارغ الصبر فبدأ اليوم بأمطار ورياح ثبطوا من عزيمتها ..
الإهداء رقيق خصت فيه الأديبة أحباء رحلوا، وأحباء هم نعم السند وكذلك اهداء لدار النشر من ساهموا في خروج هذا العمل إلى النور..
تذهب بطلة روايتنا نسرين - الطالبة الجامعية الفلسطينية من القدس والتي تعيش وتدرس بقسم الفيزياء في الأردن- إلى معرض الكتاب لتنقي كتب عربية دون العالمية، فولائها للغتها الأم، وعلى النسخة الأخيرة من ديوان لمحمود درويش التقت بطالب في كلية الهندسة وفنان يرسم فلسطين بقلب نابض يدعى ثائر، واتمت معه التجوال في المعرض والنقاشات حول الكتب والكتاب.. طلب منها الاحتفاظ بنسخة الديوان فوافقت على أن يلتقيا بعد أسبوع لتعيره إياها.. واشتعلت شموع الحب في قلبين وكما تقول الأديبة بشاعرية محببة على لسان البطلة: "لقد كان عشقًا من نوع آخر، لم نرسم حروف أسمينا وننقشها على جذوع الشجر، أو نكتبها على رمل الطريق كما غنت فيروز، أظننا التقينا عند نحيب أم ثكلى، أو أم تنتظر عتق أصفاد ابنها الأسير، أظننا تنسمنا أبخرة فنجان قهوة انطلق من فوهات بنادق الحرية".
نسرين تعشق فلسطين حتى أنها حينما تتحدث عن والدها تقول عنه: "هو القدس بنورها وشعاعها، هو الذاكرة التي لا تخبو بين طيات الأزمنة المتقلبة، هو الأرض الموسومة في القلب، هو التاريخ الذي لا يخط بأكاذيب المنتصرين، في يديه ترتسم خريطة مدينتي بدقة".
تبدل الكاتبة بعد هذا المشهد الراوي من نسرين منتقلة إلى ثائر؛ حيث يقول عن نسرين: "أية هدية بعثتها لي المصادفات؟! شكرت محمود درويش وغسان كنفاني ونجيب محفوظ الذين جمعونا معًا".
ولكن والد نسرين رفض ثائر بدون أن يبدي لابنته سببًا بل ونقلها من الجامعة مع وعد منها بعدم رؤيته بعد ذلك ..
تهاجر نسرين هاربة من واقع مؤلم ووحدة، وآملة في تغيير في بلاد الأحلام؛ أمريكا-شيكاغو..
لغة الأديبة عربية جيدة للغاية وبها من الشاعرية والصور البلاغية أيضًا فنجدها تقول: "لم أكن يومًا صديقة للمستشفى، لا أظن أن لها صديقًا غير الأطباء" "الموت ليس لمن يغادرنا، الموت لنا حينما نستيقظ بمشاعر رعب، نتتبع خطوات من غادرنا، نعانق ملابسهم التي التصقت بهم يومًا لعلها تأتي بهم". وحينما سألتها فاتن عن سبب مجيئها لأمريكا ردت قائلة: "هروب إلى هناك” فأجابتها فاتن: "كنا نعتقد أن الحلم سيتحقق هنا في أمريكا، لكن اكتشفنا بعد ذلك أن الحلم بقى هناك".
للمكان عند الكاتبة نصيب فهي تصف الأماكن بصورة رائعة بتفاصيل دقيقة فيراها القاريء بعينه وهو يقرأ عنها.. كما أنها أضافت لروايتها الرسائل التي كانت تخطها البطلة لثائر حتى وإن ظلت حبيسة مكتبها..
الشخصيات متعددة في الرواية ولكن الكاتبة تمكنت من وضع إطار عام لكل شخصية وانساب قلمها بين الشخصيات بسلاسة ويسر على القاريء.. فتعرف على الجميع وأحب هذه وغضب من تلك وهكذا..
رواية تضيف لمحات عن الغربة وأمريكا الحلم وكيف أن الكثير منا إن رحل يغير سماؤه لا يغير نفسه.. وما أقسى الشعور بمن يهجر من بلده المحتلة إلى بلد يعيش فيها عمر ولا يلبث إلا أن يهاجر منها.. تقول الكاتبة في تساؤلات تطرحها على نفسها وعلينا: "هل الظروف السيئة أقوى من جاذبية حضن الوطن؟!". كما أنها تتطرق في غربة نسرين لأناس من مختلف الجنسيات وظنهم إن المسلم هو إرهابي وأن فلسطين هي أرض اليهود وأن الفلسطيني هو القاتل لا القتيل ..
استمتعت كثيرًا بالرواية وفي انتظار المزيد من إبداعك ..
قراءة في رواية "هناك في شيكاغو". عفيف قاووق – لبنان. صدرت العام 2020 عن دار فضاءات للنشر والتوزيع –عمّان رواية"هناك في شيكاغو" وهي باكورة أعمال الروائية الفلسطينية هناء عبيد والمقيمة في شيكاغو. تبدأ الكاتبة روايتها من عمّان لتنتقل بعدها ومعها إلى هناك في شيكاغو ثم تعود لتحُطّ الرحال في عمّان مرة أخرى. أمّا الشخصية الرئيسة في هذه الرواية فهي الساردة نسرين الفتاة الفلسطينية التي ولدت في القدس وهُجرت مع أهلها لتقيم في الأردن. اعتمدت الكاتبة في هذه الرواية تقنية تعدد الرواة أو الأصوات بحيث أفردت لكل شخص من شخوصها المساحة اللازمة له للبوح بما يشعر وتبيان رؤيته للأمر المتعلق به. وهذا ما يجعل الرواية أكثر التصاقًا بالمتلقي لأن الأحداث التي تُذكَر جاءت على لسان أصحابها دون تدخل من السارد، كما ان تعدد الرواة في الرواية يعطيها نكهة خاصة تبعدك عن الملل الذي يُحدثه السرد لو كان على لسان راوٍ واحد. فالراوي الأحادي السرد والكلام والرؤية، يحرم الشخصيات من قول ما تريد بشكل عفوي. تشيرالرواية إلى بداية نشوء حال من الحبّ والمودّة بين البطلة نسرين والشاب ثائر علاقة إنتهت قبل أن تبدأ نتيجة عدم إفصاح والدها عن سبب رفضه لثائرالذي إلتقى صدفة بنسرين في معرض للكتب في عمّان، وتسابقا لإلتقاط آخر نسخة من ديوان محمود درويش. وهنا نسأل لماذا إستحضرت الكاتبة شخصية محمود درويش لتكون مدخلًا لبداية أحداث روايتها؟. فيأتينا الردّ على لسان نسرين عندما سُئِلت عن سبب إختيارها لأعماله فتقول:" ربّما لأنّي أتوق أن أُحلّق بعيداً نحو الوطن لأعانق دحنون براري القدس ولأتذكّر طفولتي الشقيّة أو ربّما إشتقت إلى حلوى جدّتي المخبأة بجيب ثوبها المطرّز"(ص19). وكأنّها تريد القول أن محمود درويش هو الأيقونة الذي بأعماله أصبح مرادفًا للوطن فمن يشتاق لرؤية فلسطين فإنه يراها في هذه الأعمال. في هذه الرواية وفي أكثر من موضع يظهر جليًا التعلق بفلسطين أرض الآباء والأجداد، فمثلاً تصف نسرين والدها بأنّه "هو القدس بنورها وشعاعها، وهو الذاكرة التي لا تخبو بين طيّات الأزمنة المتقلبة، إنّه الأرض الموسومة في القلب وفي يديه ترتسم خريطة مدينتي"(ص28). وفي موضع آخر وتحديدا في الصفحة(98)، تبث ما يختلج في صدرها من حنين إلى الوطن السليب ففي رسالتها أو مناجاتها المتخيلة مع حبيبها ثائر تقول:"إشتقت لرائحة برتقال حيفا وشمس القدس وتراتيل شيوخ الأقصى، إشتقت إلى القدس العتيقة". وحتّى عندما هاجرت إلى شيكاغو حملت في حقيبتها نسخة من القرآن الذي كان والدها يقرأ به إضافة إلى سجادة صلاة أمها وثوبها المطرّز ناهيك عن الكوفية الفلسطينية (66). ... في معرض حديثها عن والدها المتوفي تُقدّم لنا نسرين صورة شاعرية مفعمة بالعواطف الإنسانية حيث تقول :"لماذا يختار الموت كل شيء جميل؟ الآن فقط عرفت معنى الموت الذي هو ليس لمن يغادرنا بل الموت لنا نحن حينما نتتبع خطوات من غادرنا ونعانق ملابسهم التي إلتصقت بهم يومًا"(ص46). القضية الأساس في رواية "هناك في شيكاغو" والتي حاولت الكاتبة الإضاءة عليها هي مسألة الهجرة والإغتراب سواء الهجرة الطوعية او القسرية . مشيرة إلى نوع من الصراع الداخلي الذي يعصف بالمهاجر الذي إنسلخ عن موطنه وحنينه الدائم له، لذا نجده عندما يرحل يختار مدنًا يقطنها من تعطّر برائحة الوطن. إمتازت الرواية بأسلوبها السّردي والمتناسق كما أن اللغة الشعرية والمحسنات البلاغية لم تغب عنها، وأيضا جماليات الوصف ودقته. ومع ان معظم فصولها كُتبت باللغة الفصحى إلا أن الكاتبة ولإضفاء نوع من المصداقية والواقعية كانت تلجأ إلى اللغة المحكية وخاصة في جلسات الدردشة او الثرثرة للنسوة الفلسطينيات خلال إجتماعهن، أو في اللقاءات الثنائية التي تجمع بينهم وهذا برأيي يُضفي على مثل هذه الجلسات والحوارات صدقية لا بأس بها ويبعدها عن أي تكلف.ولقد أتقنت الكاتبة رسم البناء الدرامي لروايتها وزينتها بلمسات او شذرات من اجناس أدبية متنوعة حيث نجد فيها الكثير مما يمكن إعتباره بأدب السيرة وبعضا من الأدب السياسي المقاوم، وايضا القليل من أدب الرحلات ناهيك عن إشارة ولو بسيطة إلى نوع من أدب الرسائل الذى تجلى في الرسائل المفترضة او المناجاة التي لجأت إليها نسرين لترجمة عواطفها وإشتياقها لحبيبها ثائر.وسنحاول الإضاءة ولو لماما على بعض ما حملته هذه الرواية من إشارات ومدلولات. - في الأدب السياسي المقاوم قدمت لنا الرواية شخصية ثائر بأنه الشاب الفلسطيني الذي يشارك في المظاهرات المناهضة للإحتلال، وهذا ما أدى إلى بتر إصبع يده اليمنى نتيجة رصاصة مطاطية أصابته، ورأت نسرين في هذا الإصبع انه بمثابة المطرقة التي تدقّ الضّمائر التي إندثرت لتوقظها وتعيدها إلى رشدها.(ص27). وخلال تواجدها في شيكاغو واللقاء الذي جمعها بالمرأة اليهودية مادلين الذي يدرس إبنها في حيفا رأت صورته وكان مستلقيًا على رمال شاطئها، تشعر نسرين بالغيظ لعدم إستطاعتها الإستلقاء على رمال بلادها بينما "غريب الدّاريفترش رمالها"، وفي معرض ردّها على مادلين لإثبات أحقية الفلسطيني بأرضه وتشبثه بتراثه تقول في الصفحة( 108):" هل نحن سراب ؟ لو نبشتِ القبور لوجدتِ عظام أجدادنا من آلاف السنين، ومن يتنازل عن شيء صغيرسيتنازل عن الأكبر منه، فالأرض لنا وتراثنا سنحتفظ به إلى آخر العمر". كما ان السلام وما يروج له كان حاضرا في نقاشاتهما، فمن منّا لا يعشق السلام –تقول نسرين- لكن هل السلام يعني تشريد شعب من أراضيه؟ وهل السلام يعني أن يعيش شعب بأكمله بالمخيمات محرومًا من العودة إلى أرضه؟"(109). في موضع آخر لخصّت نسرين حال المدن الفلسطينية وعذاباتها عندما قالت لزميلها في الكليّة:" مدينتي تبكي بؤسها، تبكي أهلها التائهين في المنافي وأروقة الغُربة، مدينتي تستجدي نخوة من خطفتهم أضواء الكراسي وبريق المعادن"(105). لم تغفل الكاتبة الدور المهم والمشبوه للإعلام الممسوك من قبل الأقوياء ومدى مساهمته في طمس الحقائق وتزوير التاريخ، فمعظم الإعلام لا ينقل حقيقة ما يتعرض له الأبرياء الذين يقتلون يوميًا بأيدي بطش الصهاينة،حتَى أن هذا النوع من الإعلام استطاع إقناع هيما الهندية صديقة نسرين بأن فلسطين هي أرض لليهود ولهم الحق بالعيش فيها ولا تفقه شيئًا عن الفلسطينيين سوى أنهم مجرد قتلة إرهابيين.(161). كما أن الكاتبة وإستنادا على قصة سعيد النحّاس واللغط الذي رافق مقتله حيث ان الكثير من الناس يعتبرونه خائنا ومتعاملا مع العدّو لتكشف حقيقة براءته أخيرا، لقد ارادت الكاتبة ربما من خلال إثارة هذه القضية القول أن هناك قلة قليلة من الفلسطينيين - هذا إن وجدت- إنحرفت عن مسارها وإنجرفت في تيار العمالة وبالت��لي لا يمكن التعميم كما تقول أم حسين: "الخونة موجودين وين مكان بس قلال، في كلّ بلد الصّالح والطّالح، لكن الصّالح دايمًا هو الباقي، ما في بيت في فلسطين إلّا وفيه بطل يا استشهد او انأسر أو نُفِيَ خارج بلده حتّى أطفالها أبطال.(209). - أمّا فيما يشبه أدب السيرة فلا يحتاج القارىء لبذل الجهد ليستشرف ان في هذه الرواية بشكل أو بآخر بعضاً من ملامح السيرة الذاتية للكاتبة سيما وانها الفلسطينية المقيمة في شيكاغو وهذا ما مكّنها من تقديم رواية مكتملة الأركان فيما يخص اليوميات المعاشة للمهاجرين وتحديدا الفلسطينيين منهم، وكانت المرأة حاضرة في هذه الرواية بنماذج مت��وعة، فإلى جانب الساردة نسرين– والتي هي إمرأة- حضرت كل من الفلسطينيات المهاجرات فاتن،سهاد،أم لطفي، حنين، إم حسين وغيرهنّ من جنسيات أخرى. وقد قدّمت كل منهنَّ رؤيتها وخيباتها في -أرض الأحلام المزيفة- بلاد الإغتراب. كما أظهرت الرواية المعاناة والضياع الذي يعصف بالأسر العربية هناك نتيجة لظروف الحياة القاسية حينا ومغرياتها وأحلامها حينا آخر، وكيف أنّ الحاجة أو الرغبة في الحصول على الجنسية او الإقامة الدائمة في أميركا غالبًا ما تكون سببًا رئيسيا في تفكك الأسر والعائلات وتشتتها، فهذه فاتن التي هاجرت مع زوجها إلى أميركا ظنًا منهم أنّ الحلم سيتحقّق هناك، لتكتشف بعد ذلك ان الحلم بقي هو الآخر "هناك" من حيث أتت وأصبحت حياتها الزوجية في مهب الريح بعد أن راودت زوجها هاني فكرة الزواج من سيدة أميركية بغية الحصول على الجنسية. ولم تكن أم لطفي القادمة من الخليل بأفضل حال من فاتن، إذ انها هاجرت مع زوجها إلى شيكاغو وبدأت تعمل في تجهيز المأكولات الفلسطينية والعربية لتبيعها للزبائن، وفي النهاية تزوج زوجها أبو لطفي من إمرأة أميركية تصغره بعشرات السنين. يستطيع القارىء أن يلمس مدى التخبط والضياع الذي تعيشه الأسر العربية المهاجرة وكأنه صراع الهوية المفقودة أو البحث عن الذات، فبالرغم من رغد العيش النسبي في المهجر إلاّ انّ الحنين لا زال مرافقًا لمن إقتلع من أرضه ووطنه، وقد عبّرت نسرين عن هذا بالقول:"موجعة آلامنا حتّى لو طالنا بعض من رغد ورفاهية عيش،الحزن يسكننا منذ أن ولدنا، بعضنا ولد في أرض الجذورلكنه يعيش المنافي والتّشّرُد فبات من الصّعب أن ينعم بدفء حقيقي. وقد لخصّت أم لطفي هذا التخبط بقولها:" مجنون اللّي بترك أرضه عشان يلحق سراب، اللّي بطلع من داره متل الضّرس اللّي ينخلع بترك وراه وجع كبير من أوّل ما خطّت رجلي على تراب هالبلد وأنا قلبي مقبوض (130). الرواية في بعض فصولها لامست "أدب الرّحلات" دون الغوص بكافة عناصره، نظرًا لإقتصارالكاتبة على وصفها لبعض الأماكن السياحيّة وتحديدا للأماكن التي قُيض لها زيارتها مثل: ديربورن وهي أشبه بمدينة عربيّة بكل مواصفاتها وتعتبر بحق عاصمة العرب في أميركا لكثافة الجاليات العربية فيها، ويبدو أنّ الكاتبة لم تنسَ كونها مهندسة لذا نجدها تحدثنا عن زيارتها إلي بيت أشهر معماري عرفته شيكاغو وهو فرانك لويد رايت، كما ذكرت أيضا حديقة البتانج جاردن، وأجادت في وصف مدينة شيكاغو وشارع هارلم الذي تكثر فيه المتاجر العربية، ثم عرجّت لتصف لنا نافورة باكنغهام وبحيرة ميتشغان المترامية والمنتمية إلى أربع ولايات أميركية. هذا الوصف الموجز قدَّم ولو نذر يسير من المعلومات لمن لا يعرف شيكاغو التي إحترقت العام 1871 بسبب بقرة رفست الفانوس في الحظيرة. ختاما لا بد من التطرق لعنوان الرواية "هناك في شيكاغو" بالرغم من انها تروي يوميات جرت في شيكاغو وبلسان قاطنيها، يبدو ان الصراع النفسي والبحث عن الذات كان الهاجس المهيمن على كافة شخوص الرواية سيما الفلسطينيين منهم، لذا فإن الفلسطيني المهاجر لم يشعر يومًا بالإنتماء إلى هذا البلد الغريب وبقى منجذبًا إلى بلده الأم فلسطين، فإذا كان الجسد موجود "هناك" في شيكاغو فلا تزال الروح تنزع نحو الجذور باتجاه هنا فلسطين. لذا كانت نهاية الرواية ذات دلالات عميقة ومعبرة حين قررت نسرين بعد تخرجها العودة إلى الأردن توأم بلدها وجاره الأقرب وهي تأمل أن يكون حبيبها ثائر بانتظارها. نهاية تشير بشكل أو بآخر إلى أن العودة إلى أرض الوطن هي حق لا بُدَّ منه كيف لا وهو يشكل حلم كل فلسطيني خارج أرضه. "هناك في شيكاغو" رواية جديرة بالقراءة والإقتناء ولا شك ستشكل إضافة للأدب العربي والفلسطيني، فمبارك للأديبة هذا الإصدار وإلى المزيد من الإبداع والتألق.
رفيقة عثمان صدرت حديثًا رواية هناك في شيكاغو، للكاتبة المقدسيّة هناء عبيد، المغتربة منذ سنوات في نفس المدينة سردت الكاتبة رواية منسوجة بأحاسيس شفّافة، وصفت فيها حياة المغتربين، الّذين ظنّا منهم أن الحياة الرّغيدة تكمن في الغُربة عن الوطن. وصفت الكاتبة المشاعر التي تختلج صدور النساء اللّواتي اضطّررن لمغادرة الوطن مع أزواجهن؛ طلبًا لتحسين معيشتهن الاقتصاديّة والاجتماعيّة. اختارت الكاتبة عددًا محدودًا من الشخصيّات النسائيّة؛ للتعبير عن آرائهنّ ومشاعرهن حول الغربة عن الوطن. تمحورتِ الشّخصيّات بالرواية من عائلة الراوية نسرين وهي بطلة الرّواية، ووالديها وأختها منال، وصديقتها وداد، كذلك الصديقة حنين في شيكاغو، بالإضافة لشخصيّات ثانويّة أخرى معظمها من النساء الفلسطينيّات المغتربات، مثل: فاتن وزوجها ونساء مغتربات من دول العالم المختلفة؛ مثل مادلين وماريا وجيسيكا، وجاسمين وغيرهن.. عبّرت الراوية نسرين عن عشقها للسفر إلى شيكاغو بلاد الأحلام والسعادة المفقودة في بلادنا. هذه الرغبة باتت حلمًا يرافقها ويرافق الشّباب في عمرها؛ طلبًا للحصول على ظروف معيشيّة تليق بأحلامهم، وغير آبهين بالانفصال عن الوطن الأم. ما دفع نسرين للالتحاق بحلمها بعد أن رفض والدها تزويجها من حبيبها المناضل، ومن ثمّ فقدت نسرين والديها واحدًا تلو الآخر، ورفضها للقبول بالزّواج من أحد المغتربين، ومن ثمّ لم تجد مبرّرًا لبقائها في الأردن.. سافرت نسرين إلى بلاد الأحلام والسّعادة، عند دار عمّها وزوجته، اللذين استقبلاها بحفاوة كبرى. من هنا بدأت نسرين في تطوير علاقاتها الاجتماعيّة، بالتعرّف على صديقات زوجة عمّها من النساء الفلسطينيّات المغتربات، وبدأت الصراعات الشخصيّة للبطلة بالمعاناة من الغربة التي استوطنت روحها، وافتقادها لأرض الوطن، والأهل في الأردن، والشعور بالندم بالهجرة الى شيكاغو. نجحت الكاتبة في تصوير خلجات المشاعر، وبث الأحزان والحسرة على الغربة التي حلمت بها وظنّتها الجنّة المفقودة. ظهر هذا الصراع في الحوارات الذّاتيّة المتعددّة التي أجرتها الراوية مع نفسها، كما ورد صفحة 173 ” لا نعرف قيمة الأشياء، إلا حين نفتقدها، هناك دومًا مغرية لنا، حين نفترق منها نبحث عن هناك أخرى”. يبدو أنّ الصراع الدّاخلي مداهم بشكل دائم لنفس الراوية نسرين، ” تيقّنت أنّ الأحلام تموت في بلاد الغربة، كنت في صراع عنيف” صفحة 60، هنالك نماذج عديدة للحوار الذّاتي الذي أغنى الرواية من حيث التشويق والتماهي مع البطلة. لم تكتفِ الكاتبة بوصف المعاناة من الغربة، بل تطرّقت بوصفها فقدان الهويّة والانتماء للوطن في بلاد الأحلام، كما ذكرت “دايمًا بشعر بالغربة وين ما رحنا، “أشعر كأنّني في سجن مفروش بأثاث فاخر” صفحة 174. كذلك أوردت حوارًا ذاتيًّا حول الانتماء للوطن وفقدان الهويّة من صفحة 11-113. ” مش سهل الاحتفاظ بالهويّة واللّغة في بلد ثاني بيختلف في عاداته وتقاليده ودينه وأخلاقياته” صفحة 172. استقت الكاتبة عنوان الرواية ” هناك في شيكاغو” باختيارها الموَفّق، عندما ذكرت “هروب إلى هناك” قصدت بكلمة هناك بلاد الغرب. القصد شيكاغو كما ورد صفحة 96. “كذلك لكل اللذين يحلمون في الهجرة لوطن غير موطنه، الحلم نحو هناك”. من الممكن الاستدلال على زمن الرواية، من خلال أحداث سبتمبر التي تشير إلى أن وقائع الرواية حصلت تقريبا بين الأعوام ما بين عام 1995- 2001 . كذلك المكان تمركز ما بين الأردن وشيكاغو. تحلّت الكاتبة بلغة شاعريّة سلسة جدّا، بليغة مُطعّمة بالمُحسنات البديعيّة الجميلة، الصنعة اللّغويّة الطاغية في نصوص الرّواية والتي أضافت رونقًا لها، وتسلسل السرد برتابة وتصوير الأحداث بشكل، لدرجة تجذب القارئ للاستمراريّة بالقراءة، كعرض فلم سينمائي، بحيث تكون الأحداث فيها مُصوّرة ومُجسّدة بطريقة دراميّة. مأخذي البسيط على المبالغ فيه بالمصطلحات البديعيّة، مما أعاق على تطوّر الأحداث بوتيرة أسرع، كذلك تمّ استخدام اللّغة العاميّ في بعض الحوارات للتعريف البسيط باللهجة الفلسطينيّة، وإضفاء بعض الواقعيّة على الحوارات. تبدو العاطفة طاغية جدًّا أثناء سرد الأحداث، فظهرت العواطف بكافّة المشاعر، منها مشاعر الفرح والحب الرومانسي، ومشاعر الامومة، ومشاعر الانتماء والحنين للوطن، كذلك مشاعر الحزن والاكتئاب، مشاعر الحزن من الفقدان، وفراق الأهل. أبدعت الكاتبة في تصوير المشاعر الجيّاشة، خاصّةً مشاعر الراوية نسرين أثناء سرد الحوار الذّاتي، بالإضافة لتصوير مشاعر الآخرين من أبطال الرّواية. كما ورد صفحة 209 ” كنت أتحدّث بهستيريا غريبة، أضحك بشدّة بلا سبب كأنّ الجنون أصابني” استطاعت الكاتبة هناء عبيد من وصف المعاناة التي تواجه النساء العربيّات المغتربات؛ لكونها امرأة، وتعيش بالغربة، أُتيحت لها الفرصة في الغوص بمعرفة مكنونات النساء ومشاكلهن الخّاصّة، والاطّلاع على خلجات مشاعرهن، لا شك أنّه لا يستطيع التعبير عن مشاعر المرأة إلّا المرأة نفسها. اعتقد بأنّ هذا العمل يُعتبر لصالح الرواية والكاتبة معًا. من النماذج لمعاناة النساء؛ زواج الرجال العرب المغتربين من نساء أجنبيّات؛ للحصول على الجنسيّة الأجنبيّة، وما يترتّب على ذلك من معاناة لكافّة الأسرة وخاصّة الزوجة كذلك التلميح للنظرة لبعض الفتيات العربيّات اللذين نشأن أو ولدن في أمريكا، وكيفيّة انسجامهن مع العادات الأجنبيّة، ونظرة بعض الشباب لهن بنظرة سلبيّة، كما لمّحت الكاتبة بذلك عندما تقدّم شاب عربي لخطبة البطلة نسرين، مفنّدًا رأيه بأنّ الفتيات في شيكاغو قد لا يُحسنّ تربية أبنائهن بطريقة صحيحة، ويُفضّل الزواج من فلسطينيّة؛ لترعى بيته وأبناءه في غيابه عن البيت. وكما هو من المُلفت للانتباه بأنّ معظم شخصيّات الرواية من النساء.!. تطرّقت الكاتبة للنظرة والمعاملات السّلبيّة التي يلقاها المسلمون في الغربة، خاصّةً بعد حادثة 11 أيلول عام 2001 في منهاتن؛ وجدت الكاتبة مساحةً كافية للدفاع عن المسلمين، وتوضيح الأمور وعدم التعميم، وأنّ هذه الحادثة لا تتعلّق بالإسلام، بل الهدف منها تشويه صورة الإسلام، وعمل غسيل دماغ ضد المسلمين من قِبل الإعلام الغربي. وصفت الكاتبة مدينة (ديربون) بأنّها مكتظّة بالمهاجرين العرب، لدرجة تظن فيها بأنّك موجود في بلد عربي مثل الأسواق، والمقاهي، واستخدام الأراجيل، والاكتظاظ السكّاني والتقاء الجيران. من هنا نلحظ المحافظة على الهويّة والانتماء والحفاظ على التراث الفلسطيني بشكل خاص، من حيث الملابس والمأكولات، والأغاني الشعبيّة، كما أوردت الكاتبة عددًا منها كأغاني العيد مثلا.. في هذه الراوية ألقت الكاتبة الضّوء على قضيّة بناء الأحلام عند العديد من الشباب والشّابات، والتطلّع إلى الهجرة من الوطن إلى بلاد أجنبيّة، واصطدام الأحلام مع الواقع الصعب�� ما تقصده الكاتبة كما يقول المثل: بأنّه ليس كل ما يلمع ذهبًا. كما ورد صفحة 59 ” أيقّنت أنّ الأحلام تموت في بلاد الاحلام” صفحة اهتمت الكاتبة في عنصر التشويق من حيث: استخدام الخيال احيانًا، ودمجه بالواقع للأحداث في السرد، كما حبكت الحبكة بأسلوب فني يربط الخط الروائي، ممّا خلق التشويق للقارئ لمعرفة نهاية الأحداث كانت النهاية للرواية مُرضية، بقيت مفتوحة متروكة لخيال القارئ.. خلاصة القراءة: تُصنّف هذه النصوص ضمن الجنس الأدبي الروائي الواقعي، نظرًا لتكامل عناصر الرواية المطلوبة. هنيئًا للكاتبة هناء عبيد على إبداعها الروائي الأوّل، وأنتظر الإبداع القادم إن شاء الله. تمّت بحمد الله