الناشر/ التواريخ توقفت عند هذا اليوم الكابوسى الذى بدأ باختفاء الناس وكل الكائنات الحية. يرى شمس على هاتفه النقال تاريخ آخر يوم حصل فيه الكابوس، ويظل اليوم ثابتا لا يتغير، ساعات البيت تواطأت كلها وتوقفت هى أيضا عند تلك اللحظة الكابوسية: السابعة وسبع دقائق صباحا، توقفت الساعات الديجيتال الرقمية، وكفت كل العقارب العتيقة لساعة المطبخ عن الدوران، بل إن الدقائق البسيطة التى كانت تميز ساعة من أخرى، انتظمت عند هذه الساعة وهذه الدقيقة: الساعة وسبع دقائق صباحا، ثبات تام، لكنه مع مضى الوقت يرى دخول المساء والليل، فيفرح لدوران الليل والنهار كأوهى شعرة تربطه بناموس الطبيعة. ذاكرته تبدو مغيبة مغبشة، من هلعه لم يختبرها فى زمن أبعد من ساعات الهلع الأخيرة، ضرب جبتهه بكفه من دون أن يسمع صوتا لهذه الرطمة، حاول أن يتذكر كيف أتى إلى هذه المدينة، ومع من يعيش.
نص سردي يلمس المقدس و المخيف في وجداننا ككائنات واعية مفكرة : القدر . من لحظة الولادة إلى لحظة الاستيقاظ من نوم نكون مع ثلاث أصوات :شمس البطل الأساسي للحكاية ، العارف صوت ملاصق و عارف بأحداث الحكاية و الكاشف صوت متعال و هو الكاشف عن ما يعرفه العرف ، هذه الأصوات بالإضافة إلى الإله الصغير العابث بقدر شمس نكون أمام مربع يؤطر حكايتنا و يطرح أسئلتها الكبرى عن الوجود و العدم و عن الوعي و عن الذاكرة و عن العلاقة مع الاخر
العلم عند الإله الأعلى ولي حقّ الكشف والتصحيح»، هكذا تكلّمتْ رواية «لهو الإله الصغير» للروائي السوداني المصري طارق الطيّب، إذ اخترق بالرواية كلّ صمّامات الأمان التي تحمي كلّ ما نعتقد أنه من الثوابت وأنّ مجرّد الخوض فيه غير محبّب، وطبعاً ليس بهدف أنْ يثور على المقدسات بل بالعكس جاء العمل محمّلاً بالأسئلة الخطيرة التي حطّت الرِواية يدها عليها بطريقة محترفة، لتطرح العديد من الموضوعات بسرد مميّز وبلغة جميلة مقتَضبة لا تقول كلّ شيء، لكنّك حين تتبَع مساراتها تتكشّف لك الخيوط وتتّضح لك الصورة، التي تمكّنك من فهم مقاصد الحكاية ومرامي الرواية، فليس سهلاً أن تدخلَ إلى عوالم طارق الطيّب دون أنْ تتوه، إنّه حكّاء ماهر، يجيد شدّ انتباه القارئ، الذي يقرأها قراءة العارفين ومكاشفة القراء، يقول سومرست موم: «يجب أن تكون الرواية مسلية. فلا يوجد من يقرأ الرواية ليتلقى تعليمات أو ينمي عقله، وإذا أراد أن يتلقى التعليمات أو ينمي عقله، فعليه أن يلجأ إلى الكتب التي تبحث في هذه الموضوعات و إلاّ فهو أحمق.» قسّم طارق الطيب الحكي بين البطل المِحوري شمس، وبين الكاشف والعارف اللذين يدّعيان أنهما على معرفة كبيرة بقدر شمس، فالكاشف أقرب للّه من البشر والعارف أقربُ للبشر على اللّه وكلّ منهما يحاول أن يروي مصير شمس من وِجهة نظره. فمَن هو شمس! وما قصّة الآلهة بالرواية وما علاقة كلّ هذا بلهو الإله الصغير المذكور بالعنوان؟ يأخذنا طارق الطيّب في جولة غرائبية نفقد فيها الإحساس بالواقع، جولة يحتدم فيها الصراع بين الواقع والعجائبي (الفانتستيك)، بين القدرة على البحث للكشف عن الحقيقة، وبين رغبة العيش فقط كي لا نموت. تطرح الرواية مسألة الوجود، ماهيته، جدواه، خاصّة إذا فقد الفرد كلّ صلة له به بنفسه، قد يبدو الأمر غريباً، نعم، كيف يمكن أن تعيش إذا جُرّدتْ منك؟ فتتشبث بأيّ شيء يعيدك إلى ما قبل وجودك، وكأنّك في جلسة مكاشفة مع الذات يوم تعود إلى نقطةِ الصفر، هذا ما حدث لشمس بعد دُعاءٍ قاله في لحظة غضب ليحقّق له الإله الصغير ذلك الدعاء، إذ: «استطاع في أقلّ من طَرفة عينٍ، بقياس زمن البشر، أن يمحو كلّ الكائنات الحيّة من وجه الأرض: من بشر وحيوان وكلّ ما له روحٌ، شلّ زمجرة الرياح وعَصْفَ الأعاصير وانفجار البراكين. استبقى شمس، مُجيباً دعوته الحرون الغاضبة التي لم يكن يقصدها بصدق، ثمّ ترك دورة الكون لمسارها الزمنيّ المعتاد.» يجد شمس نفسه في مدينة فيينا لوحده لا بشر ولا حيوانات ولا شيء، لا ذاكرة ولا ظلّ ولا حواسّ ولا حقيقة ترشده إلى نفسه، وفي خضم كلّ هذا يُصاب بالفزع والحيرة هلْ هو في العالم الآخر أم أنه في عالم ما قبل الموت، يبدأ بطرح الأسئلة التي تتوالد قي رأسه، محاولا أن يخلق ذاكرةً ووجوداً آخرَ بالحياة. «الآن بعد أن أصبحت إنساناً تتآكل ذاكرته، فهذا يعني أنني أتجه إلى الموت وأنا في الحياة، ولا بدّ من إنقاذ نفسي بأن أخلق لي ذاكرة جديدة مخترعة أو وهميّة أو خياليّة أو مبتكرة أو تلفيقيّة، المهمّ أن تكون عندي ذاكرة أستند إليها، ففي غيابها لا أستطيع أن أحيا أو أرتكز على أرضٍ. محاولاً البحثَ عن هويّته، ماضيه، مدينته الأولى علماً أنّ شمس مِن أصول مصرية، هنا ينظر الكاتب في مسألة الهويّة والانتماء، والغربة، يعود شمس إلى مصر لكن عبر التاريخ. يصرّ على القراءة والكتابة كي يصلح عن طريقهما أعطابَ الذاكرة، ليعيد استذكار أوّل مرّة قَدِم إلى الأرض بعد العديد من الإناث، فيوم جاء غادرتْ أمّه الأرض فعاشَ «يتمان»، إذ يستذكر علاقته بوالده، وكيف تنظر بعض المجتمعات العربية إلى الأنثى! يقول: «كنت دوماً إله أبي الصغير ودوماً على صواب». مِن خلال الماضي القريب والماضي البعيد جداً، والمدينة الأصل والمدينة التي يعيش فيها، أراد شمس أن يبحث بنفسه عن جدوى وجوده وكيف جاء إلى هذه الحياة، بعد عبثية ذلك الدعاء الذي حوّله إلى كائن دون شيء، يعيش في مدينة لوحده وكأنّه الإنسان الأخير في تلك البقعة من فيينا، فبقدرِ ما أحبّ ذلك شعرَ بالغربة وبالرغبة في أن يستعيد نفسه. الرواية لا تبحث في الغيبيات كما يراها الذي يحكم عليها من العنوان، بلْ «لهو الإله الصغير» تدفع إلى طرح التساؤلات وعدم التسليم والقبول بما اعتدنا أن نراه على صواب، بل وحده البحث والتنقيب والقراءات والاجتهادات الجديدة ما يجعلنا نفهم العديد مِن الأمور التي أخذناها خطأً، أو لربّما أحياناً تتوسّع مداركنا تجاه قناعات آمنّا بها فنتمسّك بها أكثر فأكثر. تقرأ ّ»لهو الإله الصغير» كرواية لا تبني أُسسها على منطق الواقع ولا على مسلّماته وأفكاره، بل تعطي تصورات جديدة لكلّ الأشياء التي نتعامل معها كيَقينيَات. لِذا ربّما اختار الكاتب إلى جانب شمس شخصية العارف والكاشف. وأيضاً تطرّق إلى موضوع الوجود من وِجهة نظر عميقة لا تنظر للإنسان كرقم سيتكرر، بل كفكرة يمكن أن نعيد صياغتها لتصبح قابلة للفهم. تُطرحُ في الرواية مسألة الهويّة، الغربة، وكيف يمكن لمن يعيش بعيداً عن أرضه أن يربط علاقة قويّة بها، وكيف سيعوض ذلك الشعور، لربما الكتابة أحياناً تُعَدّ أحد أشكال الخلاص، وهذا ما حدث لشمس، فالكتابة أيضاً تمنحنا فرصة أن نبحث عنّا، مَن نحن وماذا نريد من الحياة؟ الرواية تطرح سؤال الذاكرة والهويّة والتاريخ، الهويّة الإنسانية المشتركة والهويّة الشخصية لكلّ واحد منّا، فالهويّة الإنسانية تحقّق بوجود الآخرين والهويّة الشخصية تتثبّت بما نريده نحن، فشمس في الحقيقة أنثى أنجبتها أمّها بستان كأنثى لتتحوّل برغبة من الأب إلى ذكر مُشتهى. فالعزلة التي وجد شمس نفسه فيها، دون حياة تدبّ فيها، أعادتْ له ذكريات أشخاص بدأتْ ذاكرته تشكلهم تدريجياً ولكنه نجح من خلال الكتابة في استعادتهم. إذاً الرِواية بلغة سردية عالية، وبكثافة فكريّة قويّة تطرح مشكلة الهويّة، والتاريخ والاغتراب الذي يحصل داخل الغربة ذاتها. اغتراب المكان والاغتراب عنّا نحن. لكنّني أعتقد أنّ سؤال الرِواية الأهم هو كيف يعيش المغترب؟ وكيف تعيش هويّته وأصوله داخله وما هو الشيء الذي يُبقيه قيد الوطن الأمّ؟ لربّما يريد طارق الطيّب أن يقول إنّ الكتابة وحدها هي ما يحفظ صِلتي بأرضي ويمتّن علاقتي بها، وفي هذا النص يقترب من مواطن الألم عند المغترب، إذ أنه يعرف الغربة بمفهوم مغاير لمن اعتاد أن يحمل هويته حيث هو، برغم أن طبيعة الحياة ونمطها المختلف في غير بلاده يفرض عليه واقعا مغايرا، يجتهد قدر الإمكان في إثبات هويته به، وطبعا ليس بالتأقلم والتنكر للأصل، بل بترسيخ الهوية أكثر فأكثر في الكتابة بكل أشكالها، التي تساعد الإنسان على تقبّل ما تفرضه الحياة أحياناً، وفي الوقت ذاته توسّع أفق الرؤية لتكون في خدمة الإنسان. القراءة جعلتني أؤمن بفكرة لربما تبدو غريبة نوعاً ما، لكنني متمسكة جداً بها، وهي أنّ النصوص الحقيقية هي ما يجعلك تعيد تشكيل كتابتها بعد قراءتها، و«لهو الإله الصغير» من النصوص التي تجعلك تعيد كتابتها، إذ أنها بكل تأويل تولّد أفكارا جديدة، فهي رواية تختصر القضية الإنسانية والهوية الممزقة. رابط المقال: https://www.alquds.co.uk/%d9%84%d9%87... #لهو_الإله_الصغير #طارق_الطيب
سرديّة مدهشة! نص أدبي فارق، ومعمار روائي يرتكز على جرأة المؤلف وتبصّره وخروجه عن قالب المألوف. واقعية سحريّة؟ خيال ديستوبي؟ رواية هوية؟ ربّما نعم وربّما لا! التعبير الأدق الذي لا يقبل الاصطفاف خلف كلمة "ربما"، هو أننا أمام قطعة أدبية فنية، تشتبك فيها الحواس مع الذاكرة، الماضي مع المُقبِل، الذكورة مع الأنوثة، والخالق مع المخلوق!
نحن في فيينا، حيث يفقد "شمس" ذاكرته وصورته وظله وحواسه تباعًا إثر استجابه الإله الصغير "لاهي" لدعاء زفره "شمس" ذات غضب عابر. نعرف أن شمس قادم من مصر، نلتقط شذرات تحمل كل منها مضغة من ملامح الأم والأب، الأم التي دفعت حياتها ثمنًا لإنجاب ذكرٍ يتمنّاه الأب. وبالتوازي مع حكاية "شمس"، نتعرف على شجرة الآلهة، الإله الأعظم وولديه المنوط بهما إدارة الخير والشر على الأرض، وصولًا إلى الإله الصغير الذي يقرر أن يعبث بمصير "شمس"، كطفل غض يسري وقته عبر اللهو بالبشر كالنمل؛ أبهذه الصورة يرانا الله من عليائه؟ السؤال هنا، وكل الأسئلة التابعة له مشروعة.
أصبحت المدينة خاوية عن بكرة أبيها، لا أحد في فيينا سوى "شمس"، الأمر لا يقتصر على البشر، بل اختفت سائر المخلوقات. خلال هذه التجربة العبثيّة التي يشرف عليها الإله الصغير، يبدو بطلنا كآدم حين طبع خطواته الأولى على عذه الأرض معاقبًا منفيًّا. بيد أن "شمس" يختلف عن آدم، إذ أن لديه ذاكرة يطاردها، ووجوه مخاتلة تراوغه بين ظهور واحتجاب، أحداث تومض أمام عينيه وتتبخر قبل أن يستبينها، ومرايا توقفت عن عكس صورته التي لا يتذكرها. فماذا عساه يفعل؟
هنا نشاهد جولة الإنسان للبحث عن هويته الضائعة، اكتملت بلعبة الإله الصغير "لاهي" أركان العزلة والضياع، ليبتدئ شمس حياته كجنين ولد للتوّ ويصر على التشبّث بحبله السرّي، البحث عن الهوية هنا شامل وجامع، فنحن أمام ثنائيات مثل وطن الميلاد والوطن البديل (الغربة)، التاريخ الحقيقي المتخفّي عن العقل الواعي خلف أسوار الذاكرة التراكمية الآخذة في التضخّم، الذكورة والأنوثة، التاريخ الممتد على ضفاف نهر الزمن والحاضر الأنيق المُفرغ من ظلال الأصول. يتجوّل "شمس في مدينته الخالية، يدخل المتاحف والبيوت والأسواق ومحطات المترو والمكتبات وقصور الرئاسة، يستعذب الحياة المجانيّة والصورة العدميّة لفترة قبل أن يسترده الحبل السرّي الذي ما يزال قابضًا عليه بيسراه. حتى يميّز الوسيلة الأنسب لاستعادة الذاكرة/الهوية/التاريخ، فماذا تكون هذه الوسيلة؛ إنها الكتابة، والقراءة، ثم الكتابة، وهكذا دواليك...
يراكم "شمس" الوجوه والأسماء والأحداث، يرمم في عقله أولى غرف الذاكرة المسلوبة بيد إله يحب اللهو، تظهر وجوه أبويه، أسماء شقيقاته، خالته، حبه الأول، أصدقاؤه، وصور متنوّعة من ماضيه الذي يبحث عنه. يتشكّل التاريخ الأقدم على أنقاض الأحدث، فتظل المرحلة الأخيرة من حياته شبه ممحوّة، وكذلك هويّته الحائرة بين نقائض متعددة. يبدو "شمس" بمثابة المادة الخام لطين الخلق، تجتمع في عقله كل أسئلة الوجود، ويفند أسبابه ويتساءل عن كيفيّة إدارة الخالق لشؤون مخلوقاته. حتى يُقرر أن يرتد السهم إلى القوس، أن يعود إلى الأرض التي انطلق منها ذات زمان مخادع يأبى أن يكشف عن وجهه، يتوجه من النمسا إلى اليونان، ثم يبحر إلى الإسكندرية، ليكتشف أنه يخوض غمار معجزة لم يعرفها نبي الله يونس، إذ كان إبحاره في جوف الزمن، ليس في جوف البحر الساكن الذي فقد موجاته. يعود إلى التاريخ القديم، يتحسس النقوش الملونة في المعابد فتسرّب إلى جسده ذاكرته الأزليّة، ويتذكّر قداسة النهر، الجد الذي تعمّد فيه، وحُرّم عليه أن يلحق به الأذى.
اعتمد الروائي تقاطعات الأصوات السردية ضمن أسلوب تعدد الرواة، فبخلاف صوت "شمس" الحائر طوال الوقت، يتدخل مفوّضين من السماء لإكمال القصة، أو تعديلها، أو إنكارها تمامًا! لدينا هنا من يمكن وصفهما بملكين خصصتهما الآلهة لمراقبة "شمس"؛ العارف، وهو الأقرب إلى البشر من الخالق. والكاشف، وهو المستقر في منطقة أقرب إلى الآلهة من البشر، دون أن يحيد ناظريه عن "شمس". يظل العارف والكاشف على خلاف في معظم الأوقات، كلاهما يدّعي معرفة القدر الأكبر من حكاية "شمس" وامتلاك الصورة الأوضح من القصة، بينما "شمس" حائر في دهاليز ذاكرته، والقارئ في تيه بين الأصوات الثلاثة التي تتلو حكايات متنافرة قلّما تتفق على رواية.
بين جدران المعابد، وعقب التحام المسافر الحائر بماضيه، وبمشاركة محمودة من بعوضه، يستعيد "شمس" قسمًا غير يسير من ذاكرته، ينهض من فراشه، يرتدي فستانه، يسترد حواسه، يطرب لسماع نقر الكعب العالي لحذائه، وتتحرك عقارب الساعات...
كيف ولد "شمس"؟ ممن أنجبته أمه "بستان"؟ ما الذي أتى به إلى فيينا؟ من هي/هو "كريس"؟ من يكون "شمس"؟ كم عمره؟ وما هي ميوله؟ في أي عام تدور حكايتنا وعقارب الساعات متجمدة عن الساعة السابعة وسبع دقائق؟ أيهما أعمق أثرًا؛ وطن العيش أم وطن الميلاد؟ كيف تكون الحياة من دون البشر، من دون الحب، من دون الذباب والبعوض والفئران؟ كيف يكون العدم، أو كيف كان العدم قبل الخلق، وكيف يغدو عقب النفخ في الصور؟ هل يمكن أن يتخلى الإنسان عن ذاكرته؟ وكيف هي الحياة بلا ذاكرة؟ طوفان من الأسئلة التي تنبثق باحثة عن إجابة مختلفة في عقل كل قارئ. علامات استفهام تتناسل فلا تقف عند حدود كتابتي هذه...
هل يمكن أن نحمي هويّتنا إن حرصنا على القراءة؟
وهل نقدر على حفظ ذاكرتنا من نوّات الغربة وعصف الزمن وانقلاب معطياته ومعاييره، بغير الكتابة؟
رواية تضرب بعرض الحائط كل الثوابت المكوّمة داخل صناديق الأمان الطوعي في وجدان كل منا، مستفزّة في طرحها الداعي إلى إغراق أطواق النجاة الصوريّة والتشبث بالورق، فالورق حمّال الحكايات كفيل بأن يُجنبنا الغرق! هي بمثابة ثورة على أعمدة المعبد الذي نؤمن أنه يظللنا، ثورة يضرب بها طارق الطيب كل الجدران، ليثبت لنا أنه ما من سقف حتى نخشى سقوطه!
هذه الرواية سوف تكون -حال ترشّحها- حاضرة في قوائم البوكر هذا العام... سجّلوا هذا التوقع 🙂
ملحوظة؛ كيف تتمكن دار مسكيليانى من الفوز بهذا الكم من المواهب العربية المتميّزة من مشارق الأرض إلى مغاربها؟ من هذا الذي يعكف على فرز النصوص واختيارها في مسكيليانى؟ تحية كبيرة وواحبة للقائمين على هذه الدار التي بات شعارها علامة جودة لدى قطاع عريض من القُراء.
من أفضل ما قرأت هذا العام .. رواية تطرح المسكوت، الممنوع .. تطور ظاهر في كتابات العظيم طارق الطيب .. من يتتبع كل ما كتب - كما فعلت لاجل تسيير ملتقانا به- سيدرك تمامًا اختلاف القلم ذاته، فكرًا وسردا …
لمثل هذه الروايات خُلق الادب… ولمثل هذا القلم بالتأكيد #كُتابنا_أولى_بقراءاتنا
" هل يمكن أن يطلب مني أنا الضعيف الفقير أن أعبده وأتذلل له، وأن أبذل القرابين من أجله بحجة أن هذا كله اختبار الدنيا وفي الآخرة الجزاء؟ هل من المعقول أن يخلقني إله قوي قادر، كي يجعلني أنا هذا المخلوق المسكين المنهوك مستغرقًا في عبودية تامة وانصياع وخضوع وامتنان لانه خلقني وسواني كما أنا؟"
رواية رغم قصرها إلا انها ممتلئة بالمعاني والتساؤلات والطروحات .. الهوية بين الذكورة والانوثة، الهوية مابين مسلمات الدين والتقاليد! الضياع مابين الكاشف والعارف! فالحكاية تختلف "أعزكم الله"بينهما …
الذاكرة حاضرة، وغائبة بذات الوقت !
تحفة أدبية، حضرني بين سطورها كونديرا سردًا، شميت فلسفة، أوستر فكرًا وكافكا عبثية حرة تروي عن العدمية والوجود، الذاكرة والنسيان، الحلم والحقيقة، والكتابة تدوينًا لتاريخ المرء، وطنًا يلوذ إليه. "تمنى ألا تختفي الحروف من دفتره ذات يوم قريب مثلما غابت كل الصور".
نص أنعته بوصف رولان بارت *نص اللذة* "هو النص الذي يرضي فيملأ، فيهب الغبطة، إنه النص الذي ينحدر من الثقافة، فلا بحدث قطيعة معها، ويرتبط بممارسة مريحة للقراءة".
تناوبت السردية مابين شمس البطل و الراوي العارف، بجملة فاصلة "الحكاية أعزكم الله مختلفة" وجدتها من اعمق اقتباسات الرواية، فيا الله كم تحمل القصص تآويل مغايرة بين شخص وآخر، وحتى بين الفرد وذاته في أزمان متباعدة.
كيف نحن في شكل ذاكرتنا إن فقدناها أو على الاقل لم تعد منعكسة على مرايانا؟ أي المرايا عنى الطيب؟ أي البلاد بلادنا؟ إلى أي مكان ننتمي؟ اذا لو فرغ الكون من كل أحد وكل شئ؟ ما الذي يحدد وجداننا؟ هويتنا؟ "العلم عند الإله الأعلى ولي حق الكشف والتصحيح" طروحات عديدة شكلها الاديب الشاعر طارق الطيب كلوحة فنية رسمها - فهو فنان أيضًا- ليجعل من روايته وقفة مع النفس باعتناقها وتخبطها.
▪️هل من المعقول أن يخلقني إله قوي قادر، كي يجعلني أنا هذا المخلوق المسكين المنهوك مستغرقًا في عبودية تامة وانصياع وخضوع وامتنان لأنه خلقني وسواني كما أنا؟
طارق الطيب هنا "استطاع أن يلتقط لحظاتنا الصامتة، ويصفها في تلك الصور كي تحدق فينا. تعيد لنا ما ربحناه أو ما خسرناه من ماضينا" ممدوح عزام و كل ما قرأت له "الكتاب الخليق باسم الكتاب في رأيي هو ما كان بضعة من صاحبه في أيقظ أوقاته وأتم صوره وأجمل أساليبه، وهو الحياة منظورة من خلال مرآة انسانية تصبغها بأصباغها وتظللها بظلالها" العقاد
(لهو الإلة الصغير) علاقة القربى بين الكاتب والراوي. في معظم الأحيان، وعند قراءتي لعمل أدبي_ سردي على وجه الخصوص_ لا أستطيع أن أقتل المؤلف، أن اتجاوز وشائج القربى بينه وبين الراوي الذي يدفعه امامه_ الراوي العليم خاصة_ . هنا _ في هذا العمل أيضا_ لم استطع تجاوز (طارق الطيب) المهاجر الخائف من أن يجد نفسه يوما ما، وحيداً كأنه في مدينة فارغة تماما( فيّنا)، ان يكون منسيا بدون ذاكرة. هذه الرواية هي محاولة لمقاومة النسيان من خلال الكتابة، أوأنها نص الخوف الذي يجيء من منطقة النسيان الموحشة. و( لهو الإلة الصغير) تطرح بشكل عام قضايا عديدة تحيلنا كلها في النهاية الى ( ثيمة الهوية) منطقة اشتغال الكاتب، والتي كان لي اطلاع عليها من خلال ثلاثة أعمال سردية سابقة. في الصفحة 99 يقول الراوي الذي يسمي نفسه( الكاشف) عن (شمس )الشخصية الرئيسة في النص والذي يعيش في( فينا): شمس يشعر.... انه وُلد بمصر.... وانه نشأ هناك.... وان له حكاية.....وأن عليه أن يستعيدها. ومن الواضح أن استعادة هذه الذاكرة لن يتم إلا بمساعدة( الكاشف) الراوي الذي يصحح، وأن العودة للسيرة لن تتم إلا بقوة الكتابة، التدوين، حيث يكتشف شمس في نقطة ما من هذه الرواية أن تدوين أحلامه، هو المسار الذي سينجيه من لهو ( الإلة الصغير) وهو الطريقة المثالية لمقاومة النسيان. طارق الطيب وضع في هذا النص حكايتين، واحدة سماوية استهل بها الفصل الاول لتحريك الحدث، وهي ذريعة سردية لتأثيث حكايته الثانية_ مقصد النص الأساس_ حكابة رضية بطلها الشاب( شمس) والذي يهاجر من مصر الى النمسا، تاركا خلفه ذاكرته، كنزه الذي يتعرض للمحو في لحظة عبث بواسطة يد خفية. وهو يشير بذلك الى القدر الذي لانملك الفوة على منعه، لكننا نستطيع_ في الوقت ذاته_ مقاومته من خلال اللغة. في الحكاية الاولى، يخلق رب الاكوان مفوضين اثنين، يمنحهما صلاحيات واسعة لتسيير شؤون الخير والشر، ومن زواج إلة الخير بأنثى يأتي إله صغير( سيدي لاهي) كان تحت رعاية عمه( شاتان) إله الشر، وهذا الإلة الصغير هو من سيدير أحداث هذا النص من خلال العبث بذاكرة ( شمس) والذي يصحو فجأة على اختفاء البشر. ليجد نفسه وحيدا في العاصمة النمساوية (فينا). يحصل ذلك بعد أن يطلب( شمس) نفسه من إله الاكوان أن يهلك الناس جميعا، سبب هذه الطلب لن نعرفه الا في نهاية الحكاية، هنا يتدخل الإلة الصغير ( سيدي لاهي) العابث لينفذ الطلب، ولتبدأ حكاية شمس مع ذاكرته وأحلامه التي سوف تساعده على استعادة هويته( سيرته المفقودة). يتناوب على السرد في هذا النص راويان، الاول( شمس) والذي يحاول ان يستعيد ذاكرته منذ الطفولة حتى وصوله الى منطقة الإغتراب، يساعدع الراوي الثاني( الكاشف) وهو راو غير عليم تماما، لكنه قريب من شمس ويعرف عنه اكثر مما يعرف شمس نفسه، راو يستطيع أن يصحح الانحراف الذي يرد في سرد الراوي الاول, والذي تختلط فيه الخيالات، والنسيان، والتلفيق ربما. و لابد لي _ في هذه الرواية_أن أنتبه الى قضية الإحالات والتي تتركز بشكل مكثف للاشتباك مع قضيتين، الحلم والمنفى. الذاكرة والنسيان. منها نص يتعلق بالاغتراب، مقتطف من ابن سيرين _ كما أظن_ ونص آخر يتعلق بفلم (cast away) والذي انتج عام 2000 من إخراج روبرت زيمكيز وبطولة توم هانكس. بالاضافة طبعا لإحالات تتعلق بطقوس التطهير المصرية، النيل على وجه الخصوص، حيث ترد إشارات كثيرة في النص عن شغف( شمس) بالماء. في النهاية، اود أن اشير في هذه القراءة البسيطة، الى خلاصة تتعلق بالوشائج التي تربط الكاتب( حياته وسيرته وذكرياته) بالراوي( الكاشف) كما لو أن طارق الطيب أريد القول أن الكتابة هي محاولة لتصحيح الانحرافات في الذاكرة، أو أنها نسخة أصلية متكاملة من ذاكرة، تقوم بعملية الدعم في حربنا العصيبة ضد النسيان، الشيء يجعلنا لو استسلمنا له وحيدين في مدينة فارغة، مدينة لايعرفك فيها احد على الأقل.
في معنى الكلمة التي تُستجاب، يجد "شمس" نفسه في لحظة حانقة بعد دعاءٍ بأن تتلاشى كل الكائنات الحية، وقد تحققت أمنيته، يستيقظ في عالمٍ أصمّ، بلا أصوات، دون رياح أو خرير ماء، بلا طنين بعوض ولا خفقان عصفور، دون سيارة تزمر في الشارع أو وقع أحذية لصغار يلعبون، تسقط الأشياء من حوله، بلا ارتطام أو كدمة مسموعة، تفاصيل تدخلك في عقاب إلهي مريع، أن تصير وحيدًا في المدينة، مالكًا لكل شيء مقابل لا شيء، هذه الرواية كابوس ممتع والشهقة الأخيرة في النهاية.
نص جريئ ومميّز… ياربّ خذ كلّ هؤلاء البشر في داهية! دعني وحيدًا بعيدًا عن أيّ مخلوق على وجه الأرض. خذهم أخذ الطوفان أو الفيضان بحقّ جاهك يا قادر ياكريم!