تعد رواية «روائيون يأكلون نسورا مشوية» امتدادا لخط حديث على الأدب العربي، وهو "الكتابة عن الكتابة"، حيث تتعرض الرواية إلى عوالم ووقائع حقيقية، تتداخل مع المتخيل أو الوهمي، لتنسج مسارات جديدة تتخذ من أسباب خارجية وداخلية، حافلة بأسباب الحياة، وتضعها جميعًا موقع التأمّل خلال سرد يتلفّت حوله باستمرار، ويسائل نفسه باستمرار، مقترنا بإيقاع لاهث يتوتر متسارعا ومتباطئا، ما يجعل القارئ شاهدًا أحيانا، ومتورطا في أحايين أخرى، في براثن سرد غير نمطي، بعيد عن التقليد.
ومن أجواء الرواية نقرأ:
«لم أكتب شيئا، ما زالت أفكاري مضطربة، مشوشة، لماذا الذاكرة صدئة؟ أين الشخصيات والأحداث، لماذا يتكاسل ذهني عن الكتابة؟ لا أريد الاصطدام بحائط صلب، أريد أن أفتت اللحظة، أن أهزم الإعصار الذي يجيء من كل اتجاه، أريد ألا أفقد الاتجاه مرة أخرى، أريد أن أمضي نحو اتجاه يقودني إلى التحليق عاليًا، كنسر يمرق السماء دون خوف، أريد أن أكتب. انتبهت إلى أن القلم لم يكتب، بل بدأ برسم طائر ما، لم أندهش، وتركت القلم يفعل ما يحلو له، اكتملت معالم الرسمة، كان نسرًا، لا بأس، لم أمزق الورقة، ولم أشطب النسر المرسوم، احتفظت به، ربما يصلح ليكون غلافًا لروايتي المنتظرة».
الرواية شيقة والكاتب فعلًا موهوب، أكثر ما يميزها السرد المتماسك الممتع رغم تقاطع حيوات الشخوص لآخر سطر. فكرة الكتابة عن هوس الجيل الجديد بكتابة رواية فريدة تطفح بالذاتية لأغراض شخصية بحتة بل وقولبة كتابة الرواية كهدف ناءٍ عن مسار الحياة الطبيعي، فكرة ممتازة بلا شك، لكن مبارك رجب اتخذ طريقًا وعرًا لشخصنة فكرته. مصطفى بطل الحكاية الأم يعمل كنساخ على الكمبيوتر (تايبيست) يبدأ في كتابة رواية بتشجيع من صديقه رامي، وفي خضم محاولاته للكتابة الجادَّة يحكي قصته من البداية وصولًا للحظة تعرفه على رامي، ثم تبدأ شخوص روايته تتضافر تدريجيًا، تارة يكتب عن عبد الكريم الذي أحَب سمر ورأى فيها حبيبته الأولى، ومرة أخرى يكتب عن بطل روايته رواي أربعيني يحاول بدوره بناء رواية فريدة بتشجيع من اخيه أكرم، لتمتزج بعدها كل الخطوط، حياة مصطفى بحياة أبطال روايته المتشابكة دون أن يفقد النص اتزانه ولو للحظة، فيخرج العمل في النهاية رواية داخل رواية داخل رواية. كتابة عمل بهذا الحجم من الفرادة بالتأكيد تحدي كبير للكاتب خصوصًا أنه عمله الأول، لكن لو نال وقته الكافي لينضج لأصحبنا أمام تحفة فنية. شعرت أني أقرأ مسودة عمل لم تُنقح بعد؛ مثلا بعض التفاصيل كانت في غير محلها جاءت بلا تمهيد ودون إشارة لاحقة تُفسرها، شخصيات ظهرت فجأة ولم تلقَ النحت المطلوب لدورها في الأحداث، كما أنني شعرت أن اسم الرواية مبالغٌ فيه؛ إذ أن النسور المشوية لم تأخذ حيزًا مهما أصلًا، لا من الأحداث ولا حتى من الجو النفسي للرواية. تجربة جديدة ممتعة لقلمٍ واعد، وأتمنى أن أكرر التجربة مع الكاتب في عمل أخر قريبًا.
يا الله! ما هذا الجنون الذي قرأته! ليس العنوان فقط هو الجنوني ولكن الرواية كلها محض جنون!
أود في البداية أن أثني على الكاتب طريقة معالجته لفكرة قد تبدو تقليدية أو عادية في أعين البعض ولكن المنفرد هنا هو طريقة الطرح ذاتها
نحن هنا أمام مصطفى الذي يحاول دخول عالم كتابة الروايات وترك مضمار القصص القصيرة بعد إيعاز من صديقه رامي، ولكن هل الكتابة بالأمر السهل؟ هنا يجعلنا مصطفى نعيش معه أجواء ولادته المتعسرة، فيحاول كتابة رواية أبطالها الراوي مجهول الاسم وشقيقه أكرم، ثم تتداخل رواية أخرى بطلها عبد الكريم وسمر
يحاول مصطفى أن يجعل الرواتين تسيران في خط متوازي ولكن الغلبة كانت للرواية الأولى والتي تشدنا معها في اتجاه آخر فنجد أن أكرم يحث شقيقه كذلك على كتابة رواية! تشابه مع قصة مصطفى؟ ربما، تتداخل الشخصيات والأحداث، تجد نفسك تلهث بشكل متسارع تحاول لوهلة أن تتبع خيوط الشخصيات التي تتشابك في كتلة تجعلك تشعر بالدوار! ولكنه دوار لذيذ على أي حال
لا أريد حرق الأحداث على أحد ولكن ما يمكنني قوله إنها رواية رائعة بكل المقاييس رغم شعوري بالتعجب من كونها ليست متداولة!
نصيحتي لمن ينوي قراءة هذه الرواية أن يتناولها في جلسة واحدة، جرعة واحدة لا تجزئة فيها حتى تؤتي ثمارها!
اكتشاف هذا العام .. بالنسبة لي أو هو ثالث الاكتشافات تبدو الكتابة في هذا الزمن أمر يسير، يقوم به الجميع، ويسودون بكل سهولة الكثير من الصفحات، بل وقد تبدو لدى البعض وسيلة سهلة للحصول على المال والشهرة والمجد، ولكن كيف يكتبون الروايات أصلاً؟! هل يكتبون الروايات بسهولة الحصول على المفردات والجمل والعبارات؟! هل يمكن أن يكتب الكاتب الذي تمرنت يده على الكمبيوتر منذ سنوات أن يكتب رواية بسهولة فعلاً؟! هنا يقدم لنا مبارك رجب عبر بطل روايته أزمة أو إشكالية الكاتب المعاصر، بطريقة ذكية، وعبر بناءٍ يتداعى فيه صوت الكاتب مع حكاياته، وشخوص روايته مع الأشخاص الذين يعيش معهم، ويشاركونه حياته، ويمتزج الواقعي بالخيالي، والفانتازي بالحقيقي، دون أن يفقد السرد متعته وتماسكه. (وحدي أستحق كل المجد، كل النجاح، كل السعادة، إن ما أكتبه أعمق مما يكتبونه، نقي، مرتب، منظم، منمق، راقٍ رقيًا أبديًا، ولا أعتقد أن أحدًا منهم يشبهني، لأني أنا المتفرد الوحيد بينهم، لأني قضيت دهرًا من عمري متفرجًا لأصل إلى التفرد، رضيت بدور "المتفرج" عشرين عامًا، لأصل إلى "التفرد" تلك المسافة بين الجيم والدال اقتطعت من عمري عشرون عامًا، وحدي أستحق التقدير.. ليقولون أني مغرورٌ أو مجنون، لا يهم، ولست وحدي الأناني الوحيد في هذا الكون، لكلٍ منهم أحلامه، أعلم أنكم تستفزوني لأكتب أعمق، ذلك الصراع يعجبني، يخرج أفضل ما لديّ تلك المباراة أحبها، لأني أعلم أني المنتصر في النهاية بلا ريب.. كرهي لكم يزيدني فتنة وسحرًا من الكره أستطيع أن أصنع الحكايات المحبوكة بمهارة كما يصنع الساحر من الحنظل عسلاً..) بطل الرواية مصطفى يحاول أن يكتب رواية، بتشجيعٍ من صديقه رامي، ثم يحكي حكايته، وكونه يعمل كـ تايبست على جهاز كمبيوتر يحكي عن جيرانه "ميجا، وسندس، ليس له علاقات مع النساء. بالتوازي مع حكاية مصطفى تأتي حكاية بطل روايته راوي أربعيني متزوج، يعمل محاسبًا و يحاول أن يكتب روايته الثانية له أخ كاتب اسمه أكرم، وتارة أخرى يكون البطل عبد الكريم الذي يتعرف على سمر في شركة محاسبة ويحبها، يرى فيها حبيبته الأولى.
"الكتـابة؛ قـفص الأمنيـات الفارغ، أكـبر مخـاوفي أن أموت قبل أن أكتب، في نفـس اللحظة التـي أود فيها أن أموت دون أن أكتب شيئاً." الفكرة ممتازة، لكن كانت تستحق وقت أكثر لتنضج.