أتساءل ... إن لم أقرأ " نحن " و " مزرعة الحيوان " هل كنت سأحب " 1984 " ؟ أم أن رأيي بها كان سيكون نفسه ؟
إن رواية زامياتين " نحن " جعلتني أعرف بأن الأفكار التي تتضمنها 1984 يمكن طرحها بشكل أفضل ، أخف ، أبسط ، أوضح ، و أكثر عبقرية و كفاءة من الذي قد قدمه أوريل ، فهي قد كانت الأصل الذي سرق منه جورج قصته برداءة ، و لكن لن أتطرق إلى هذا الموضوع في هذه المراجعة ، و لن أقارن بين الروايتين ، فرواية 1984 بها ما يكفي من العيوب دون اللجوء إلى الحديث عن الأصل .
أما بالنسبة لقراءتي لمرزعة الحيوان قبل 1984 ، كان له النصيب الأكبر من جعلي أمقت هذه الرواية ، فجورج أوريل يمكنه أن يكتب أفضل من هذا بكثير ، يمكنه أن يكتب بعبقرية ، و سلاسة ، و وضوح ، و واقعية أكثر من الذي قام به في 1984 ، و مزرعة الحيوان تشهد على ذلك ، فما الذي أصابه عند كتابته لهذه الرواية ؟
قد نصحتني أختي بعدم قراءتها ، فهي الشخص الوحيد الذي قابلته كان يمقتها و ينتقدها ، قد تساءلت عن سبب ذلك (بعد ما قرأتها اتضح لي بأنها على حق) فالجميع لايزال يؤمن بأهمية هذا النص و يصفه بالعبقرية و إلخ ... ، و عندما أخبرتها بذلك أجابت بأن الفائدة المرجوة من هذه الرواية يمكنك الحصول عليها بكل سهولة من مصادر أخرى بشكل أفضل من هذا ، و هي صدقت في ذلك ، فقد شاهدت أفلام و وثائقيات ، و قرأت كتب و مقالات ، تغنني عن إضاعة الوقت هذه . بعد قراءتها لا أستطيع فهم مديح الناس لها ، كل الذي قد قيل عنها من روائع لم أستطع أن أجد منه شيئاً ، فهي " ثوب القصير الجديد " . و قصة " ثوب القصير الجديد " قصة شعبية ألمانية قد ذكرها هانز كريستيان أندرسين في كتابه قصص الخرافية ، و كانت القصة تدور حول مخادعين حاولا سرقة الملك بأخذ منه المال مقابل ثوب لا يراه سوى من هو ذكي و كفؤ ، و من كان غبياً و مقصراً لن يراه ، بالطبع لم يكن هناك وجود لمثل هذا الثوب ، و خرج الملك عارياً إلى الشعب ، ادعى الجميع برؤية الثوب و إن لم يكن موجوداً ، فحسب لكي لا يتهم بالغباء ! و هناك الكثير من الأشياء التي يخاف المرء من أن ينتقدها فقط لكي لا يبدو أحمقاً ، بالرغم من أن سخفها يكون واضحاً لا مراء فيه ! (و هذا الذي كان يمنع الفلاسفة من نقد هيجل بالرغم من أن جميعهم اتفقوا على لامفهومية كتاباته) . و أعتقد بأن هذا ما أصاب هذه الرواية ، فلا يجروء أحداً بالبوح برداءتها ، خوفاً من أن يكون نقصاً في ذاته و ليس في النص ، فربما كانت لها قيمة فيما مضى ، عندما لم يكن أحد يعلم بأن أوريل قد سرق روايته من " نحن " ، و لا يزال العالم تحت سطوة مخاوف الحرب العالمية الثانية ، و رعب الشيوعية ، و الحزب النازي ، و لكن الآن لا جدوة منها .
قد قرأتها بعقل منفتح ، و بنواية حسنة ، خالية من أي نقد أو تصور مسبق ، حاولت أن أضفي إليها معنى ، أن أحلل الأحداث ، أن أفهم ما الذي يحاول جورج قوله ، و لكن عبث ! لا يوجد أي مغزى من قراءة هذا بالفعل ، و كل تلك التحليلات و المقالات و الاقتباسات عنها مجرد تضخيم لغرض الإبهار ، فهي رواية صلبة ، جاسئة ، لا تتفاعل مع نفس القاريء ، لا تمنحها شيئاً جديداً ، جامدة ، غير مرنة أو لينة ، لا تترك مجال للتفسير ، و التحليل ، و الفهم ، فهي رواية دكتاتورية السرد ! و بالرغم من المحاولات البائسة إلى الإضاح و الشرح و التوكيد ، إلا أنها رواية غامضة بلا مبرر ، و مبهة بلا سبب ، و بلا معنى .
لا يمكنني أن أنكر أنها رواية " قابلة للإقتباس " ، فهي مليئة بالعبارات المؤثرة ، الشعارات العميقة ، الإقتباسات الجذابة ، كل تلك الأشياء تجعلك تنفعل عند قراءتها بشكل عابر كإقتباس في مكان ما ، فهي جمل رائعة ! و لكن فقدت لمعانها من خلال سياق الرواية ، لأنها كانت عبارات خاوية ، الغرض منها إضافة زخرف إلى نص . كم وجدت نفسي بحاجة إلى أن أخبر جورج أوريل بأنه لا يحتاج أن يبذل كل هذا المجهود ! إن الدكتاتورية في حد ذاتها شيء مخز و مفزع ، لا يحتاج المرء أن يتعب نفسه لإظهار ذلك ، كل ما كان عليه فعله أن يسرد الواقع كما هو ، و يترك الأمر أن يظهر بشكل طبيعي من دون إجبار ! فقراءة 1984 كانت كالجلوس لساعات مستمعاً لأوريل يهول من مخاوف انتصار الشيوعية ، فهذه ال400 صفحة الشبيهة " بدقيقتين الكراهية " قد اتعب الكاتب نفسه بكتابتها ليظهر مساويء نظام اجتماعي و حركة سياسة تقض مضجع أوروبا في تلك الحقبة ، كان بإمكانه أن يعفي نفسه من هذا الشطط و أن يكتب مقال نقدي يضع فيه أراءه و مخاوفه الأوروبية المبالغ فيها من " شبح الشيوعية " . إن توصلتُ لشيء من قراءة هذا كله ، فهو خوف أوريل من تحول بريطانيا إلى الإشتراكية ، و بالتالي فقدان كل ما هو بريطاني ، فقد كان الإستعلاء البريطاني واضحٌ في النص ، و كذلك التحامل و اللاموضوعية ، فالروح البريطانية ، و النظرة البريطانية ، و المخاوف البريطانية تسيطر على النص ، إنه لا يتحدث عن الدكتاتورية و إنما يصفها كما تهولها و تخشاها العقول البريطانية ، فيبدو عليه بأنه يتحدث و كمن لا يعرف حقاً ما هي الدكتاتورية و لا الشيوعية ، و أن حديثه نابع من نوبة برانويا أصابته بسبب ما قد مر على بريطانيا العظمى من أحداث في تلك الحقبة ، و هذا جعلني أشعر بالإختناق من التكرار ، فهو يجبر النص ليكون شيئاً ليس عليه ، و كأنه يخشى ألا يصل ما يريد قوله إلى للقاريء ، فيكثر من إعادة ذكر الأشياء لغرض التوكيد ، و كأن إسهابه في ذكر هذه التفاصيل غير المهمة سيضفي أهمية و واقعية على الرواية . و أيضاً ، فإن محاولته بأخذ نهج تحليل النفس البشرية ، قد أدت إلى تطبيقه بطريقة بعيدة كل البعد عن هذه الغاية ، فهو لم يترك للقاريء مجالاً لفهم و استعاب شخصية ونستون بل كان يلقنها له تلقين و يجبره على أخذها كما هي .
أما بالنسبة إلى سميث ونستون ! إنه نفسية جورج أوريل بلا نزاع ... لم أقرأ من قبل قط شخصية محورية يظهر فيها الكاتب بمقدار حلول أوريل في ونستون . أما بالنسبة إلى باقي الشخصيات ، فلا يوجد الكثير الذي يمكن قوله حتى على الأخ الكبير ، و لكن لا مانع بأن أعبر عن خيبة أملي في شخصية جوليا ، فقد كان بإمكانه أن يفعل الكثير بهذه الشخصية ، و لكن للأسف لم يفعل .
هناك طعم بلاستيك في حلقي من قراءة هذا ، طعم شيء مزيف مليء بالمجهود الذي يحاول تزويقه ليظهر أنه حقيقي . إن أوريل في هذه الرواية لا يجيد الكتابة أو التأثير ، بل رمي مجموعة من الأفكار الشائكة المليئة بالتعقيد على وجه القاريء ليستصيغها لوحده ، فهو يشطح كثيراً و بعيداً ، إلى حد جعل النص يفقد تماسكه .
هناك شيء واحد أمتدحه في هذه الرواية ، علاقة ونستون بأبراين ، التي كانت تمثل العلاقة الجدلية التي تجمع بين الضحية و الجلاد من وجه نظر الضحية فقط ، بالرغم من أنه كان شيء متوقعاً خيانة أبراين له ، إلا أن رد فعل ونستون اتجاه الأمر كانت مليئة بالإنكار ، لم يستطع أن يتقبل الخيانة و أصبح يبررها ، ظل يتوقع بالرغم من التعذيب أن أبراين يرعاه و سيحميه ، لم يستطع أن يصدق ما حدث من هول الصدمة ، ظل متمسكاً إلى آخر لحظة بوهم التفاهم بينهما ، إن المعتقدات التي كونها وينستون بشأن وجود رابطة ما مميزة تجمع بينه و بين أبراين ، و منبع هذا الإعتقاد الذي ظل راسخاً بالرغم من ظهور الحقيقة ، شيء بشرياً و صادقاً بالفعل ! إنني أشيد على جورج أوريل بكتابته هذا .
أما النهاية - بإختصار شديد - كانت محبطة و غير مقنعة إلى حد ما .
و شيء أخير ... أنصح جورج أن يبتعد عن الكتابة الرومانسية ، فأنا لأول مرة أجد نفسي لا أتعاطف مع قصة حب و أشمئز و لا أبالي !