ليست ادراكاتنا التي تحكم على المادة بمادياتها ، بل أن المادة هي الوجود الحقيقي الخارجي الذي نحاول دائما ادراكه ، هذا الادراك أخذ مراحل متعددة من التصور عبر فلسفات قديمة وحديثة ، إن اختزال موضوع الجدل الدائر حول المادية بأنها المقابل لتيار اللامادية هو اغراق لكل النقاشات والدراسات والبحوث التي تتناول الدائرة المشتركة بين العالمين وتحديداتهما ومفاصلهما الحقيقية والاعتبارية في مستنقع الاختصار والاختزال المجحف للحقيقة الخارجية المادية واللغوية وغيرها من حقائق ، أن أولى متطلبات الفصل بين المادي واللامادي هي المعرفة الحقيقية للاشياء المادية واللامادية وتحقق هذا المطلب اعسر من ادراك الفوارق بينهما ، لا تزال الحقائق تتكشف في إطارها المادي سنة بعد سنة مما يجعل حسم هذا الجدل مسألة تدخل في حيّز المناكفات الكلامية لصنع الانتصارات المذهبية . وعليه لابد من ان نعي ان جميع المعطيات المادية للاشياء هي في الاساس ما نعيه نحن وهو ليس من ذاتيات الشي نفسه ، والوعي والادراك هنا محاط دائما بظروف موضوعية تختلف من مكان لمكان آخر ومن زمان لزمان آخر ، لكننا نتوق الى حسم القضايا بطريقة النتائج النهائية لكل معطى فلسفي .
أوستن في كتابه " الحواس والمحسوس" فنان في تحريك اللغة لتكون الضابطة لحركية المعاني المتدفقة سواء من الكلام العادي أو العلمي ، يحاكم من خلال اللغة انتاج المعاني والتي على اساسها تم بناء الصروح الفلسفية الخاصة بالمادية وغير المادية ليعيد انتاج معاني جديدة قد تصلح لهدم القديم .
لذلك يتم التفريق بين الادراكات الحقيقية والادراكات المتوهمة سواء على المستوى المادية أو غير المادية ، وهذا التفريق في غاية الاهمية بالنسبة لنظرية المعرفة بشكل عام ، وبالنسبة للجدل الفلسفي حول تلك المسائل بشكل خاص ، وتكمن جدلية الفكرة بأن اللغة المستخدمة سواء كانت العادية أو العلمية فيما يتعلق بالجانب الغير مادي انها رهينة زمنية اللغة نفسها فجميع المفردات التي تأسست لتعبر عن لا مادية الاشياء تأسست ضمن ظرفية الفهم الخاص والذي انتج مفردات تعبر عن ذلك الفهم ، وتعدية تلك المفردات للواقع الحالي نوع من اجترار الفهم السابق للاشياء الغير مادية وإبقاء نطاق الغير مادي ثابت وأبدي رغم التحولات الكثيرة التي حدثت بين العالمين " المادي واللامادي" ، هذا يضعنا أمام تحدي محاكمة المسلمات الفلسفية الخاصة بنظرية المعرفة التي حسمتها تيارات مذهبية هنا وهناك ليس لانها تمثل الحقيقة الواقعية بل من اجل اصطفافات وتعزيز السلطة المعرفية والتي تخدم سلطات أخرى لتجذير الهيمنة بشكلها العام . في الاساس أن ثبات نظرية المعرفة يتطلب ثبات جميع العلوم التي تستند عليها نظرية المعرفة إلا ان الواقع يشير الى أن حركية العلوم هي مسألة واقعية الى حد ما ، العلوم والنظريات العلمية وحتى علوم اللسانيات تمر بمراحل تطور وتغيير دائم ، هذا التغيير يساهم في بلورة نظرية المعرفة كل عقد من الزمن .