لقد أراد شتراوس أن يبطل التفسير السببي للأحداث التاريخية الذي كان مهيمناً على الدراسات الأنثروبولوجية ردحاً من الزمن، وذلك باستبدال هذا المفهوم بمفهوم آخر هو مفهوم النسق أو مفهوم النظام غير أن هذا النظام لا يكمن بشكل مجسم في الواقع إنما هو نموذج منطقي يمكننا بواسطة استخدامه الوصول إلى الكشف عن ما وراء المعطيات المباشرة والنفاذ إلى ما وراء المعطيات المحسوسة والمجسمة، أي بعبارة أخرى أن نصل إلى ذلك الشكل المجرد بوساطة البحث عن البنية اللاشعورية التي تحكم الوقائع، والذي لا يمكن الكشف عنه إلا بوساطة هذا النموذج المجرد. إذن تستعير البنيوية الأنثربولوجية من البنيويات اللسانية بحثها عن البنية اللاشعورية للغة، وتحاول جاهدة إهمال البنية الشعورية وإزاحتها، وترسم لنفسها منهجاً يقف بالتقابل التام مع المناهج الوظيفية والسوسيولوجية الأخرى، وذلك باستحداثها لجهاز مفاهيمي علمي متطور، وممنهج خارج التفسير الذاتي والنفسي والتأويلي للمفسر
بدأ ليفي ستروس تكوينه بدراسة الفلسفة غير أن هذه النظريات المجردة الاعتباطية البعيدة عن الواقع الاجتماعي ما لبثت أن تخيب آماله فسافر إلى برازيل حيث درّس علم الاجتماع واكتشف أعمال علماء الإنسان الأميركيين (غير المعروفة في أوروبا آنذاك) مثل بواس وكروبر ولووي وأقام بين ظهراني السكان الأصليين (الهنود). نشر ملاحظاته في كتاب صدر سنة 1948 ثم في كتابه المشهور "المدارات الحزينة" (1955). ثم اكتشف أثناء الحرب العالمية الثانية أعمال رومان جاكوبسون واللسانيات البنيوية التي اعتبرها منهجًا علميًا حقيقيًا مطبّقًا على الظواهر الإنسانية سيستقيه في ما بعد لابتكار نماذج تفسيرية جديدة من شأنها الكشف عن الدوافع الذهنية التي تعطي والواقع الاجتماعي وثقافي شكله. بعد عودته إلى فرنسا سنة 1948 قدّم أطروحة عن المشاكل النظرية للقرابة (1949). انتخب أستاذًا في كوليج دو فرانس سنة 1959 وشغل كرسي الأنثروبولوجيا الاجتماعية الذي كان مارسيل موس احتله قبله. فكان لأعمال ليفي ستروس وتعليمه أثر بليغ في مجال علم الإنسان والتحقيق الإثنولوجي الميداني.
أول ملاحظة ستكون عن عنوان الكتاب وفي انه لا يمت لفحواه بصلة مباشر إنما هو عبارة عن مقاربة دلالية، حيث يطرح (جورج شاربونيه) على طريقة المذيع التلفازي الاسئلة على مسامع الانتلوجي الفرنسي (كلود ليفي شتراوس) في عموم اختصاصه إلا وهو (دراسة الشعوب) وما له من علاقة قريبة ب(الاثنية والاعراق) وما يتصل بهذا المجال من ميادين الفن و الرسم والموسيقى وعادات الشعوب المختلفة، وفي اقامة شتراوس لما يشبه المقارنة بين مجتمعات بدائية (لا يرد المصطلح هنا بالجانب السلبي) ومجتمعاتهم (اي المتحاورين) وهي بلدان صناعية بأمتياز.
لنعد الآن للعلاقة الدلالية بين العنوان الكتاب والموضوعات الواردة فيه، وفي حديث شتراوس عن وجود الفن والموسيقى والرسم (الغربي) ولكن في ابتعاده عن مركزه الجوهري (المرتبط بالانسان ومحاكاة الطبيعة) والذي بدء منذ النهضة الاوروبية بأوج ازدهاره، واتجاه هذه الفنون نحو اضمحلاله في المستقبل والمقصود هنا هو (الشكل الكلاسيكي)، الى درجة قول شتراوس بامكانية "اختفاء الرسم" وفي ربع الكتاب الاول يفجرها شترواس بقوله " أن الحضارة الصناعية هي حضارة منزوعة من انسانيتها."
لشتراوس تميزات تمتد على مجمل مسيرته الأكاديمية في التميز بين ثنائية (الطبيعة والثقافي) والحنين الدائم نحو الطبيعة والتي برأيه تعيد انتاج نفسها في المجتمعات البدائية، واما الثقافة فتظهر في بحوثه كمعطى بشري تولد بعد مواجهة الطبيعة والثورة على المتوارث والاحتكاك بالمعارف التي انتجتها على سبيل المثال لا الحصر اكتشاف (الكتابة)، حيث يرى شتراوس ان "الكتابة مرتبطة منذ بداياتها بالمجتمعات التي نشأت على استغلال الانسان للإنسان."
نذكر ان شتراوس يعد احد اعمدة البنيوية وبسبب اتجاهه هذا يذكر الراوئي العراقي (علي بدر) في مقدمة الكتاب ان كان يتعرض الى النقد من التيار الوجودي الفرنسي الممثل ب(سارتر) والتيار التفكيكي الممثل ب(جاك دريدا).
وفي خصوص تميزه الرئيسي في كتاباته بين ثنائية (الطبيعة والثقافة) كتب شتراوس عدة عناوين في "الدراسات الميتولوجية" مؤلفات ك(من العسل إلى الرماد) و (أصل آداب المائدة) و (النيء والمطبوخ) و(الإنسان العاري).
م/ تم تعديل المراجعة لانها كانت اشبه بكتابات شخص مخمور، ولذلك اشكر الصديق بيان على التنبيه. 😰😰