بحث لطيف ومهم في تاريخ الأغنية السودانية. وذو مكانة خاصة لي نظراً لاستماعي المحدود لأغاني الحقيبة. فمن خلال استعراضه لتاريخ أكثر من ثلاثين أغنية، امتداداً من بداية القرن العشرين حتى ثمانيناته، يجول حسن الجزولي بين حارات وبيوت أم درمان والخرطوم للتعرف على ملهمات هذه الأغاني، من خلال معلومات عن حياتهن، مع سرد السياقات الشخصية والاجتماعية والسياسية لولادة هذه الأغاني. البحث من جملة الموضوعات التي أحب قراءتها، وهو فريد من نوعه، حيث لم أطلع من قبل على شبيه له.
أخذ الكتاب مني وقتاً طويلة لقراءته، حيث كنت أقرأ قصة كل أغنية وأتوقف للاستماع لها بعد ذلك. وبذلك تعرفت على أغاني جديدة، كما زاد من حبي لعدد من الأغاني التي أستمع لها من سنوات.
لديَّ عدة ملاحظات على الكتاب: . الاسهاب في سرد السياقات الاجتماعية والسياسية وسيرة الشعراء أكثر من سيرة "الملهمات" أنفسهن. قد يكون السبب في ذلك قِدم الأغاني وقلة المصادر واختلاف الروايات، لكن ذلك أخَّل من توازن الكتاب. لدرجة تجد في بعض الأغاني حديث عن الحياة الاجتماعية والسياسية وسيرة الشاعر أكثر من الحديث عن الملهمة الذي لا يتجاوز أسطر قليلة.
. الاستطراد في كواليس عمليات البحث، حيث شغلت في بعض الأغاني حيز أكبر من الحديث عن الملهمة نفسها. هذه النقطة تحديداً كان يمكن حلها بسرد مفصل لكواليس البحث في المقدمة، أو الفصل بين المتن والهامش، بحيث تذكر هذه التفاصيل في الهامش، أو الاكتفاء بتفاصيل مهمة عوضاً عن الاستفاضة.
. توجد في الكتاب العديد من الأخطاء اللغوية وأخطاء الطباعة. كما أن الجزولي يستطرد ويكرر نفس الأفكار في أكثر من موضع بصياغات مختلفة أو بنفسها دون تغيير.
. رداءة جودة صور الملهمات، فبقدر المجهود الذي بذله الكاتب في الحصول على هذه الصور؛ كانت تستحق جهداً مماثلاًَ لضمان طباعتها بأفضل جودة ممكنة. خصوصاً أن هذه الصور شغلت مكاناً في العنوان الفرعي للكتاب "مع مجموعة صور فوتوغرافية نادرة لشخصيات البحث".
. يفتقد الكتاب للـ"الوحدة العضوية" -إن صح التعبير. فهو أشبه بمجموعة مقالات تمت كتابتها ونشرها على فترات تاريخية متباعدة ثم تم جمعها في كتاب، أكثر من شبهه بكتاب تم تحرير أسلوبه لتتناسق أجزاءه مع بعضها البعض. فمرة تجد في أغنية حديث مطوّل عن تاريخ حدث معين مثل أغنية "بخاف أسأل عليك الناس" والتي أسهب فيها الجزولي لدرجة اقتباسه لنص طويل من كتاب سابق له، ثم أعاد اقتباس نفس النص وأكثر في أغنية أخرى "كفاية مزاح" في حين أن مدام رستم لم تحظى إلا بسطر واحد!
خلاصة هذه الملاحظات أن هذا الكتاب فريد من نوعه، ومميز في جهده. لكنه يحتاج لعملية اعادة تحرير كاملة، وربما اعادة كتابة لبعض الأجزاء، وطباعة أكثر جودة من هذه النسخة.