ما يُميز ذاك الحيّ وُسع الشارع، رصفه الجيد، وقلة حركة السيارات والمشاة فيه، والأهم هو أكياس قمامته السمينة كقططه! كذلك بُعده عن مراكز الاشتباكات، رغم أني سمعتُ أحد جيراننا قبل رحيله يقول إن سُكان هذا الحي هم المموّلون لهذه الحرب وسبب بلائهم! ألا ينبغي لهم من باب المروءة فقط أن يكونوا هم في وجه المدفع؟ أو أقله يجعلون الحرب في حيّهم ما داموا هم من أرادها!
كوثر الجهمي بين دفتي كتاب مرة أخرى. الأسلوب سلس، أتممت نصفه في جلسة واحدة خلال مراقبتي على امتحان نهائي في الكلية التي أعمل بها، ولولا أن المراقبة تتطلب الكثير من الانتباه لأتممته كله، أسلوب كوثر سلس وجميل، وناقشت مواضيع منوعة شعرت في الكثير منها بأن حديثا ما دار بيني وبين كوثر، وقلت في بعض آخر "كنت نبي نقول هكي اني" كان لقصة الدربوكة وقع كبير في داخلي، كذلك مشروع أرملة، وأكثر ما أثار دموعي قصة دموع لا مناديل لها. يحتوي الكتاب على سبعة عشر قصة قصيرة، بالنسبة لي مستوياتها متباينة ما بين المبهرة والجميلة والعادية، وإن كانت العادية أقل عددا. سعيدة بوجود كوثر على الساحة الأدبية، وفخورة بها، وسعيدة بأن كوثر من أولئك الذين جمعني بهم عالم الافتراض وحب الكتابة. في انتظار الرواية الجديدة يا عزيزة
لكوثر الجهمي قلم فاتن يشد القارئ من أعماق قلبهِ ويؤثر به وقد يُبكيه حتّي ، بارعةُ في تسليط الضوءِ علي أشياءٍ قد نعتبُرها من روتينيات الحياة لكنها حين تُكتبُ بقلم كوثر تصير أحداثًا تستحقُ أن تُروي وأن نلتفت لها وننظُر عن كثب ، ونستقِي منها العِبر .
أمّا عن هذه المجموعة القصصيّة فهي لطيفة جدًا ، رفيقةٌ مناسبة لأوقات الإنتظار المُملة ، تنوُع القصصِ بها كان شيئًا مُلفتًا وجذابًا ، ففي كُل مرة تختلفُ الشخصيّات يختلفُ معها أسلوبُ السرد و الكتابة ويختلفُ نوعُ القصّة ، و بالرغم من قُصر كُلّ قصة إلّا أنّي كُنت أستغرقُ وقتًا بعد إنهاءِ أيٍّ منها في تأمُل ما قرأتُ لتوِيّ ولأُعطِي لنفسي فُرصةً للتعافِي من الأفكارِ والمشاعر التّي عصفت بي بسببها ، ببساطة كُلّ قصّة كانتْ تُحفة فنيّة مُتفردة بذاتِها تستحقْ أن تُحكي ، أيضًا العناوين كانت مُلفتة ومُنتقاة بعبقريّة تتناسب مع مضمون كُل قصة وفكرتها التّي وصلتْ في كُل القصص -دون استثناء - ببراعة .
أول ما تعرفت علي قلم الكاتبة والصديقة كوثر الجهمي كان عن طريق قصصها القصيرة وخصوصا علي منصة فاصلة.
هنا نجد مجموعة ذكية وخفيفة تجمع بين التعليقات الأجتماعية والسياسية الساخرة وبين الكتابة القصصية الواقعية. بالنسبة لي أول قصة (سور المقبرة) قد تكون من أفضل القصص التي قرأتها لأي قلم ليبي. فهي تلمّح بذكاء للعبثية التي يعيشها واقعنا عن طريق اسقاطات ساخرة وشخصيات ممتعة ساكرة هي الفيلسوف والمثقف .. تستحق لوحدها 5 أنجم.
الباقي بعضه أحببته جدا وبعضه قرأته بعجل ولكن أكملتها بصفة عامة لخفتها في جلستين سريعتين.
سبعة عشر قصّة قصيرة بأصوات رواة مختلفين بين الرواي العليم وصوت الشخصيات من رجل ومرأة وحتى على لسان قط شوارع. تشترك القصص في التصاقها بواقع ليبيا الإجتماعي بشكل كبير وما يترتب عليه من فهم للوضع السياسي والإقتصادي.
مايعجبني في كتابة كوثر الجهمي هو قدرتها على إلتقاط وملاحظة تفاصيل الحياة الاجتماعية الليبية بدقة؛ بمفرداتها كــ "عايدون" و"الزوفري" والقوالب الاجتماعية الجاهزة للشخص منذ الصغر؛ قصص نقلتني لذكريات من الطفولة، مواقف عشتها أو حصلت امامي أو انتقادات خطرت على بالي سابقاً. لأتوقف قليلاً بعد قراءة معظم القصص وأشعر أن أحداً كان يشاطرني نفس النظرة والفهم لما حدث ويحدث من حولنا ويكتب نقداً بناءاً للواقع كما في حالة قصة "الدبوكة" وبقية القصص التي لم تخلوا من تلقف ذكي لتفصيلات حياتية من واقعنا الإجتماعي.
كل قصص المجموعة أعجبتني والقصص أدناه شدتني بشكل أكبر: الدربوكة نصيب حان وقت الطلاق دموع لا مناديل لها شاهد قبل الحذف حي القطط السمان رياسة
"صارت كل المدينة في نظرهما -عدا هذا الركن- غربة لا تطاق." من قصة سور المقبرة
"لماذا نهرته عن شراء تلك «الدربوكة»؟ لماذا حاولتَ جاهدًا أن تنسيه شغفه الجديد؟ قررت أن تعامله كقطعة صلصال؛ تتحكم في الصورة التي سيكون عليها حين يكبر، أعجبتك صورته المستقبلية كرسام، وكإنسان عطوف على الحيوانات، فهذا يتناسب مع صورة الرجل المثقف العصري، ولكنك رفضت شغفه المتعلق بالموسيقى، أردت أن تصده عنها، الآلة الموسيقية الأولى التي أراد امتلاكها، الأرخص، هكذا أخبرك بعد أن تحججت سابقاً بغلاء أسعار البيانو والعود وحتى المزمار، فلجأت لحجة جديدة واهية قفزت في رأسك كضفدع مقزز: «الدربوكة» للبنات! هل استفزتك صورته شابًا يمسك طبلة؟ كنتَ أنانياً تنظر لمستقبلك أنت والصورة التي سيعكسها عنك طفلك حين يصبح رجلًا، استبقتَ الأحداث، لم تسمح له بالتجربة، ألم يخطر ببالك بأنها قد تكون شغفا عابراً في جملة ما يكتشفه في هذه السن المبكرة؟ ألهذا الحدّ تخشى المجازفة بسمعة الأسرة وتربة الأجداد؟" من قصة الدربوكة
"كان «الجطوني» مدرسة صيفية بامتياز، تعلمتُ فيها كيف ألعب «بستيكة» خمسة ملاعبية باحترافية، بعد أن وبخني صاحب اللعبة ذات مرة إذ بالغت في دهنها بالقاز ولم يعد أحد قادرٌ على التحكم بها! وتعلمتُ كيف أكبح جماح حماستي فلا أدعها «تفرفر» إحدى «الستيكات»، لأن تلك «التفرفيرة» كانت العلامة المسجلة للمبتدئين السذَّج." من قصة رياسة
"لم آبه كثيرا بنوع القضيّة، يكفي قناعتي التي تأكدتُ منه؛ بأننا ننتمي لمجتمع إن لم تكن فيه «شوارعيًا»، أكلتك الشوارع، سحلتك تحت عجلات سياراتها، وألبستك العديد والعديد من «القراويط»." من قصة رياسة