أعلن الحاج أنه ذاهب إلى العراق الليلة وأن عليهم التنسيق. ساد الصمت...
قال أحدهم: "يا حاج الوضع في العراق ليس جيدًا لا تذهب الآن!"
رد بابتسامة: "أنت خائف من أن أستشهد! عندما تنضج الثمرة، يجب على البستاني قطفها، فالفاكهة الناضجة، إذا بقيت على الشجرة، فسوف تتعفن وتسقط من تلقاء نفسها!"
ثم وجه نظره إلى الجميع وأشار إلى بعضهم: "لقد أينع هذا وهذا..."
الساعة الثانية عشر ليلًا، حلقت الطائرة ووصل خبر استشهاد الحاج في الساعة الثانية من غجر الجمعة.
ذهبنا إلى غرفة استراحته في دمشق، وكان قد كتب الحاج قاسم ورقة ثم وقعها ثلاث مرات!! ووضعها أمام المرآة.
إلهي لا تكلني، اللهم تقبلني، اللهم إني أعشق لُقياك، كاللقاء الذي جعل موسى يخر صرعًا وأوقف أنفاسه، اللهم تقبلني طاهرًا.
أقول الآن وقد مرَّ على ذكرى الاستشهاد أعوامٌ خمسة تغيّر فيها شكلُ العالم من حولنا، أن الشهيد حيٌّ اليوم أكثر منه بالأمس.
بشكلٍ شخصي ربما عرفتُ الحاج قاسم أكثر لما استيقظنا على خبرِ الشهادة، وأيّ شهادةٍ كانت! التتويجُ الأسمى لعُمرٍ من تضحياتٍ في سبيل الله قد أينعَت وحان قِطافها شهادة حيةً على ضعفِ المُعتدي وانهزامه. بدأ الكتاب بشهاداتٍ من الحاج قاسم معنونة بالـ"شهيد يروي" وكان هذا أحبَّ فصول الكتاب إليَّ وتمنيتُ لو طال أكثر، بعدها تأتي سيرة الشهيد على لسان رفاقه، وهذا الفصلُ له النصيبُ الأكبر من صفحات الكتاب، وتأتي تباعًا مختارات من شهادة السيد القائد وقادة محور المقاومة ورجال السياسة في المنطقة، وكان أكثر ما أثار شجوني هو خطاب سماحة السيد الأمين، رغم أننا حضرناه وأذكر يومها كم كان متعبًا ولكن قراءة نص الخطاب مجددًا بعد كُلِّ هذه الآلام أجّج شعوري بأننا نشتاقُ للسيّد، ولكنهُ اشتاقَ من ذلكَ اليوم وقبله، إلى الشهادة.
ويُختَمُ الكتاب بتصريحات الغرب واعترافهم بأن رجلًا مثل الحاج قاسم قد كسر شوكة أمريكا وداعش، وهذا الرجل من قريةٍ في طهران قد زعزع كيانًا مختلًا مثل أمريكا وإسرائيل، وهذا يؤكِّدُ على ضعفِ قوى الاستكبار أمام قوةٍ تأخذُ كُلَّ أسلحتها في الساحاتِ من الله أولًا ومن ساحاتٍ مثل كربلاء ثانيًا، وقد حددت البوصلة والوجهات نحو الله ونصرِ الدين والمستضعفين. مجملًا كان الكتاب إبحارًا في شخص الحاج قاسم، والبحر مهما سبرتَ أغواره تشعر بأنك في الضفة، ولكن ترتيب الكتاب جاء بتقسيمات كثيرة في داخل الفصول أشعرتني أنّه تجميعٌ من مختلف الكتب عن الشهيد. وختامًا تختلف الموازين ولا نرى نحنُ أبناء مدرسة عاشوراء سوى أن النصرَ حليفُنا في حالين؛ عندما ننتصر ننتصر، وعندما نستشهد ننتصر.