تجاهل أو إنكار حقيقة ما .. لا يعني بالذات عدم وجودها , القضية واقعية وصريحه , قد تكون مشكلتنا نحن .. بغض النظر عن المقصود بـ "نحن" , أننا لا نريد أن نعترف بأن هناك مشكلة , مشكلة تستشري في المجتمع , وهي "المثلية الجنسية" على نوعيها , وقد يعود ذلك إلى حساسيتنا العالية من موضوع الجنس وخجلنا الدائم من مناقشته في السر قبل العلن .
إنها فكرة مرعبة أن تكتب كل هذا العري , كل هذة اللخبطة , والفوضى , أن تعيش في حاله متعسفه مع الشعور , في زحام رهيب من الأفكار , وخوف مجهول من ذاتك , لذلك أحيي "صبا" على شجاعتها في التعبير عن هذة الفكرة الفاحشة , التي ترعب كل إنسان سويّ وتلخبط كيانه .. لأن "صبا" قد تكون قله من القلائل الواضحين الذين يعترفون أن ثمة مشكلة , ثمة خطيئة , ثمة عذاب داخلي يدور خلف الأبواب الموصدة . وجميل أن تأتي فتطرز كل ذاك الفحش بلغة رقيقة , ناعمة .. ساحرة وأكثر .
هذا الضياع الذي تمارسه بطلة الرواية الرئيسية كجرم يوميّ .. يرعبني , أن تكون هائم على وجهك لا تعرف لك وجهه محدده , كئيب ومقفر من أمل , خائف من كل خطوة قادمة , لأن ثمة ذنب يثقل صدرك , ويجعل منك مجرماً في نظر نفسك . في ذلك الوسط الغريب عليّ , كوسط شيعيّ/نسويّ .. تختلط فيه الوجوة والأنفاس في بعضها البعض , وتنتقد بعضها البعض في السر , وتحيل الحياة إلى أحجية صعبة ومرعبة , وجدتني مفتوناً بدرجة الصراحة مع النفس .. بذلك الضياع , وتكرار الخطأ , والتوقف لأخذ حصتك من تأنيب الضمير اليوميّ , كل تلك التفاصيل خلقت في داخلي دهشة من نص يأتي على هذة الطريقة الجديدة , بلغة شبيهه بطعم السكر والتوت الأحمر . وجدتني مفتوناً بإيقاع النص , بذلك الوخز الطفيف الذي يتركه في ضميريّ .
أظن أن قراءة هذة الرواية .. بالنسبة ليّ , جاءت في وقت مثالي , في وقت يثور فيه العالم بقضايا المثلية الجنسية والطائفية , ليضع علامات إستفهام عديدة , ويوشوش لنا أن ثمة لعبة تدور في الخفاء . والحقيقة أن لديّ إعتقاد ثابت أنه لا يوجد أفضل من الأدب ليكشف الستار عن المخبأ في دهاليز النفوس المغلقة , ويعيد ترتيب أوراقها , ويكشف مدى القبح الذي يستوطن أرواحنا . ربما لهذا السبب وجدت في هذا العمل ميزة .. لا أجدها إلا في أعمال قليلة ومحدودة .
وجدتُ شيئاً من المتعة في إكتشاف كل شخصية من شخصيات الرواية على حدى , وكيف كانت بطلة الرواية الرئيسية .. تعري وجوة كل شخصية من الشخصيات المحيطه بها ومدى تأثيرها على حياتها الخاصة أو العامة , بدءاً بـ "ضي" , "هبه" , "حسن" , "هداية" , "سندس" , "عقيل" , "عمر" , "نادين" , والآخرون الكثيرون , كذلك الطريقة التي إسترسلت فيها في وصف طبيعة الكلية , والأساليب المتبعة فيها , وكيف ينظر كل طرف فيها للآخر , والحديث اللامنقطع عن طبيعة الشيعة في السعودية كفئة أو طائفة من الطوائف التي تجد في العيش خلف الستار واجباً لِتحقق العيش بأمان دون أن تقع ضحية لإعتقال الأمن أو المجتمع لها , وطبيعة مرضها والنوبات المتتابعة التي تصيبها , وتكتمها حيال معرفة أحد ما عن طبيعة مرضها .
أحببت الحديث عن بداية الإنغماس في اللذة , عن التشكل الأول لإكتشاف الجسد بهذة الطريقة المحرمة واللاطبيعية , عن "جمعة البنات" التي يدور فيها من الأحمر والمحرم .. الشيء الكثير , عن تكشف "ضيّ" تحت الضوء , عن تسلطها , عنجهيتها , ممارستها للمحرم كلعبة وتسلية فقط , عبث من نوع خاص .. لتزجية الوقت , والحديث عن "الحسينية" وعن طبيعة التواجد هناك في تلك البيئة العقائدية , وطبيعة العلاقة بينها وبين "هداية" .
أحببت الطريقة التي سردت بها "نادين" ماضيها , تورطها الأول في المحرم , علاقتها بـ "ناديا" , وحديثها عن أبيها , وعن أمها , وعمها , وزكريا , عن الإحتمالات الضائعة في مثل هذا النوع من العلاقات البائسة والمنتهية بلا شيء , والتفاصيل الكثيرة التي بدأت تسقط من ذاكرتها , كذلك حديثها المستتر والمفتوح عن "القطيف" .
الفصل (18) و (19) .. كان بمثابة جملة مقطوعة من المنتصف , لذيذة وشهية , ولكن لا بد لها من نهاية معقولة , في هذين الفصلين بالذات , شعرت أن اللغة وصلت إلى السماء بتفوقها وكبريائها , بالمعاني التي إخترقتها لتصل إلى الحلم , عبقري حرف "صبا" , شهي وفتان , أن تكون مقنعة لهذة الدرجة .. لدرجة أنني شعرت أن "ريان" موجود في مكان ما في حواري الرياض , شاب عنجهي ولهُ تركيبته الخاصة والمتفردة , ساحره "صبا" حينما تكتب عن الحب المألوف , الحب السويّ , الأمر الذي جعلني مقتنعاً أكثر بها , بأن التعابير معها .. لا تعرف للخذلان طعم ولا طريق , تحملك وتصل بك إلى الجنة , إلى دنيا تشبه الأغنية الفيروزية . على الجانب الآخر في الفصل ( 18 ) كان حوارها مع "نادين" صاخب ومفاجئ .. معقول ولامنطقي , مذهل وخارق ! . كذلك أحببت المئة صفحة الأخيرة , والنهاية المُرضية , والدراماتيكية إلى حدٍ ما .
أظن أن أكثر ما حفزّني في قراءة هذة الرواية , هي قراءة الآخر , وإكتشاف المخبوء .. أن تقرأ على لسان فتاة شيعية/مثليّة : طبيعة العيش في بلد لا تشعر بأي إنتماء له , بل على العكس تجد إنتمائها الأول لإيران , وللجسد المثل , قرأت في مواضيع على النت .. أن الرواية بمثابة سيرة ذاتية , أو تجربة حقيقية وواقعية .. أن كانت كذلك , بالفعل , فـ "صبا" شجاعة , شجاعتها تكمن في أن تكون واضحه وصريحه إلى هذا الحد المؤذي والخانق , كل ما أرجوه أن تكرر "صبا" تجربة الكتابة بفكرة سويّه , وستجد أن العالم كلهُ قد جُنَّ بحرفها وعبقرية لغتها , فعالمنا يتقزز دائماً من الفكرة المتطرفة , ولا يعطيها أي فرصة للتعبير .