المذهب الأشعري ثمرة طيبة زرعها ابو الحسن واعتنى بها أجيال من العلماء والمجتهدين، وأقروها في المساجد والمجالس وبين دفات الكتب والتواليف، شرحا ونظما... لفظا باللسان أو خطا بالبنان ومتن "عقيدة الطرابلسي" لأبي الحسن الطرابلسي من ضرب هؤلاء، فهو من بين المتون المحكمة المضمنة للبراهين العقلية - وتمتاز على بعض المتون المشهورة، بإيراد- الأدلة النقلية من الكتاب.. وقد اعتنى به الدكتور خالد الزهري بتحقيق نسخ النص المخطوط والمقابلة بينهم،
للعقيدة الأشعرية أهمية بالغة في الغرب الإسلامي، إذ ساهمت جنبا لجانب مع الفقه المالكي والتصوف السني على طريقة الجنيد السالك في خلق التباث والإنسجام المذهبي والعقدي بين المسلمين في هذا القطر..
واتباع الأشاعرة لمضامين هذه العقيدة، هو عين اتباع ما اجمع عليه أهل السنة والجماعة، فهي ثمرة اجتهاد وتفاني الأشعري واتباعه في الدفاع عن العقيدة الصحيحة بالأدلة والبراهين..
فمثل هذه العقيدة كمثل قول الله في رسوله وأصحابه: "كزرع اخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع"
فالمذهب الأشعري ثمرة طيبة زرعها ابو الحسن واعتنى بها أجيال من العلماء والمجتهدين، وأقروها في المساجد والمجالس وبين دفات الكتب والتواليف، شرحا ونظما... لفظا باللسان أو خطا بالبنان..
ومتن "عقيدة الطرابلسي" لأبي الحسن الطرابلسي من ضرب هؤلاء، فهو من بين المتون المحكمة المضمنة للبراهين العقلية - وتمتاز على بعض المتون المشهورة، بإيراد- الأدلة النقلية من الكتاب..
وقد اعتنى به دكتور خالد الزهري بتحقيق نسخ النص المخطوط والمقابلة بينهم، وقدمه للقراء وطلبة العلم في كتاب متوسط الحجم يمكن تقسيمه إلى قسمين:
القسم الأول:
يحتوى على ستة مطالب، رسم فيها الدكتور خالد مقدمة للتحقيق في مسألتين ( مطلبين )
المسألة الأولى: عرض فيها ترجمة تركيبية لصاحب المتن، حيث لم يعثر له على ترجمة في كل كتب التراجم والمناقب، وعوض ذلك باستقصاء عبارات بعض النساخ و وتحليل بنية المتن، ضمن سياقات مختلفة، لغوية..عقلية.. تاريخية مناسبة..
المسألة الثانية: بحث في توصيفات ودلالات العناوين المختلفة التي ذيل بها النساخ المتن، ورجح بينهما أصلا واحدا هو " عقيدة الطرابلسي"
ثم سلط الضوء على أربعة عناصر أو أربعة مطالب أخرى:
فكان العنصر الأول ( المطلب الثالث) لمضمون المتن الذي احتوى على أحكام الألوهية والنبوءة وذكر عدد الأنبياء والرسل، وطبيعة الملائكة، وذكر السمعيات من موت وبعث وحساب.. مع جمع الطرابلسي في عقيدته بين مسلك من اقتصروا في عقائدهم على البراهين العقلية ومسلك من اقتصروا على الأدلة السمعية، وختم بأرجوزة لخصت الصفات الواجبة والمستحيلة في حقه تعالى.
اما العنصر الثاني ( المطلب الرابع ) اورد فيه المحقق المصادر التي اعتمد عليها الطرابلسي في تأليف "عقيدته" وأغلبها من تصنيف السنوسي ودليله على ذلك ثلاثة أمور
أولها: أن الطرابلسي ألف عقيدته على منوال عقيدة السنوسي المعروفة ب "أم البراهين"
ثانيها؛ أن العقيدة الطرابلسية لا تزيد عن كونها توسعا ل "أم البراهين" بإضافة "الحقائق" و "الأدلة النقلية" إليها.
ثالثا: أن الطرابلسي نقل منها عبارات وفقرات، بمبناها ومعناها.
ومثل د. الزهري لهذا الأمر الأخير بأمثلة عديدة قابل فيها بين النصوص ووقف على هذه المقابلات بشرح والتوضيح والتعليق
اما العنصر الثالث ( المطلب الخامس ) فهو في مذهبية الطرابلسي الأشعرية، اذ غض د.زهري الطرف عن مضمون "عقيدة الطرابلسي" والمصادر المعرفية التي استند عليها في تأليفها، ونسب الطرابلسي الى "المذهبية الأشعرية" في ملامح خمس:
- قوله بأن النظر شرط في الإيمان - اعتقده في الإيمان أنه التصديق بالقلب، دون غيره - عدم القول بصفة الإدراك واعتبارها صفة من صفات المعاني - قوله بنظرية الأحوال - عدم انشغاله بالإمامة
والعنصر الرابع ( المطلب السادس ) والأخير في هذا القسم الأول خصصه د. خالد الزهري للتعريف بالنسخ المعتمدة في التحقيق ( رقم التسجيل. الاسم المدرج..عدد الورقات..المقياس.. المسطرة..التعقيبة..الخط.. حالة المخطوطة..الخ ) وهي سبع نسخ مخطوطة كلها محفوظة في الخزانة الحسنية بالرباط، وكذلك توضيح المنهجية التي اعتمدها في تحقيق وتقديم المتن.
القسم الثاني:
في القسم الثاني من الكتاب يأتي المتن المحقق "عقيدة الطرابلسي" لأبي الحسن بن سعيد الطرابلسي وقد أضاف المحقق عناوين مناسبة للمباحث التي ذكرت في المتن، مع وضعها بين قوسين مربعين، إشارة إلى كونها ليست من المتن..
والمتن عامة يضم أقسام الحكم العقلي من واجب ومستحيل وجائز وعلى هذه الأقسام مدار القسمين الأولين من المتن، قسم الإلهيات وقسم النبوات
- قسم الإلهيات
فيه الصفات الواجبة لله تعالى وهي عشرون صفة تنقسم على أربعة أقسام: نفسية، وسلبية، ومعاني، ومعنوية
وصفات مستحيلة عليه سبحانه وهي عشرون صفة، وهي أضداد العشرين الأولى
والجائز في حقه تعالى، فعل كل ممكن، أو تركه
بعدها كشف صاحب المتن عن حقائق الواجبات وحقائق المستحيلات، شرح فيها حقيقة الصفات الواجبة له سبحانه والمستحيلة عليه..
ومثال ذلك أن حقيقة الصفة الواجبة السلبية "القدم" هي عبارة عن سلب العدم السابق للوجود. وحقيقة الصفة المستحيلة "الفناء" هي عبارة عن عدم الشيء بعد وجوده
ثم أفرد دليل كل من الواجبات والجائزات من النقل والعقل مثله أن دليل وجود الله من العقل حدوث العالم، لأن العالم صنعة، والصنعة، لا بد لها من صانع قال تعالى: " فأينما تولوا فثم وجه الله "
ودليل على أن الفعل - أي: فعل الممكنات، أو تركه - جائز في حقه تعالى، من العقل فلأنه لو وجب عليه تعالى فعل شيء من الممكنات واجبا او مستحيلا، لانقلبت الحقائق، وانقلاب الحقائق على الله محال ومن النقل قوله تعالى: " وربك يخلق ما يشاء ويختار'"
النبوات:
وهي أيضا من حيث الواجب في حق الرسل عليهم الصلاة والسلام تنقسم ثلاثة أقسام: واجب وجائز ومستحيل
فالواجب فحقهم الصدق والأمانة والتبليغ والمستحيل في حقهم أضدادها الكذب والخيانو والكتمان والجائز في حقهم ما هو من الأعراض البشرية، التي لا تؤدي إلى نقث في مراتبهم العلية، كالمرض، والنوم، والنسيان وغير ذلك.
ودليل كل قسم من هذه الأقسام الثلاثة من النقل والعقل وحقيقة ما يدخل تحت كل قسم مذكور في ثنايا المتن.
فمثل ذلك:
أن الدليل على الصدق في حقهم عليهم الصلاو والسلام، من العقل: فلأنهم، لو لم يصدقوا، للزم الكذب في خبره تعالى، لتصديقه تعالى لهم بالمعجزة، النازلة منزلة قوله جل وعز: 《 صدق عبدي، في كل ما يبلغ عني 》. والدليل على الصدق في حقهم عليهم الصلاة والسلام، من النقل: " لقد صدق الله ورسوله الرؤيا بالحق" وحقيقة الصدق في حقهم عليهم الصلاة والسلام، هي الإخبار بالحق الثابت، بما في نفس الأمر.
ما تبقى من المتن خصه الطرابلسي للكشف عن حقيقة الرسول والمعجزة والألوهية، والكشف عن الصفات الداخلة في "الاستغناء" و "الافتقار" وتحت "النبوة" وحصر عدد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في مائة ألف وأربعة وعشرون ألف نبي، أولهم سيدنا آدم وآخرهم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، أما الرسل منهم ثلاثمائو وثلاثة عشر على قول. وقيل: اربعة عشر، وقيل: خمسة عشر. وأولوا العزم منهم خمسة: نوح و ابراهيم وموسى وعيسى وسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.
وكذا ذكر طبيعة الملائكة وأنهم مخلوقات نورانية ليسوا ذكورا ولا إناثا ولا يعلم عددهم إلا الله... وذكر أن عدد الكتب السماوية مائة كتاب وأربعة كنب معلومات..
وقبل الختام بين لنا ما يدخل تحت السمعيات من موت وبعث وحشر وحساب وميزان وصراط.. الخ
ثم ختم جملة عقيدته بالإشارة إلى أن من عرفها وترسخت لديه، خرج من التقليد، ودخل في جملة أهل التوحيد، وينجو إن شاء الله من الهول الشديد..
ونظم فيما يجب على الله وما يستحيل منظومة من عشرة أبيات وانتهى والحمد لله رب العالمين