أخيرا أخيرا أنهيت قراءة هذا الكتاب، الذي كان غزيرا و شحيحا في نفس الوقت، مثلما يوضحه العنوان فهذه سيرة غيرية لأحد أعظم مفكري القرن الحالي و الأكثر غزارة، فقد شغل الساحة الفكرية واللغوية وسيشغلها للسنوات المقبلة بكل تأكيد.
أولا أتقدم بالشكر للصديق الصدوق محسن القيشاوي الذي غمرني بكرمه، بعدما رجعت من معرض الكتاب تذكرت أني نسيت اقتناء نسخة، فطلبت منه شرائها، فجاءتني منه هدية جميلة كروحه، وثانيا أشكر دار الرافدين التي اختارت ترجمته وقدمته بنسخة جميلة وأنيقة ( (hardcoverمع بعض التحفظات على الترجمة التي سأذكرها في الأخير.
يبدأ الباحثان سميث وآلوت بسرد سريع لحياة " نعوم تشومسكي" من حيث مولده، تعليمه و الشخصيات التي تأثر بأفكارها، المناصب التي تبوئها خلال مسيرته الحافلة، ليتطرق بعدها – في شكل مفصل- لأهم أفكاره و النظرية اللغوية التي جاء بها.
من خلال ثلاث محاور رئيسية يفصل فيها سميث و آلوت أفكار تشومسكي الخاصة باللغة، أختصرها فيما بلي:
-اللغة من المنظور اللغوي اللساني: تطرقا في البداية إلى تعددية الأحكام اللغوية في اللغات المختلفة و كيفية تقسيم الجمل وتأثيرها على جمالية اللغة وادراك معناها الذي يختلف باختلاف مكونات الجملة وقواعدها، وأشياء أخرى كثيرة لم أفهمها بالأساس، خاصة ما يتعلق بنظرية الحكم النحوي والإلزام ، نظرية الحالة والحكم النحوي وغيرها ،جاء هذا الفصل ثقيلا، متعبا في قراءته، فإن لم تكن متخصصا في اللسانيات عموما ومهتما بالنحو التوليدي والكلي بشكل خاص، فنصيحة مني، لا تخض في قراءة هذا الفصل، لأنك لن تخرج منه إلا تائها...
-اللغة من وجهة نظر علم النفس: صراحة أكثر فصل كنت متحمسة لقرائته، باعتباره يخص مجالا تخصصت فيه، ولكنه جاء مخيبا، لأني توقعت أن يتطرق للمناظرة التي جرت بين "نعوم تشومسكي" و "جون بياجيه" بالتفصيل وتبيان جوهر الخلاف (يعتبر تشومسكي أن اللغة فطرية، فنحن نمتلك قدرات لسانية تتجاوز حدود التجربة، بينما بياجيه يؤكد على تدخل الذكاء فيها)،خاصة أن حجم الكتاب كبيرا، إلا أنهما ركزا على الاختلاف الحاصل بين النظرية السلوكية و سكنر بالتحديد و لم يأت ذكر بياجيه إلا في سطر واحد بعيدا عن هذا الفصل.
- اللغة والفلسفة: هذا الفصل جاء أكثر شمولية من سابقيه، بالأول تمت الإشارة أن نظرية تشومسكي اللغوية تعتبر نسخة حديثة من النظرية العقلية، والتي تعتبر العقل اللوغوس أساس المعرفة، وتتم المعرفة بمعزل عن الحواس، لذلك هناك من يدرجها ضمن فلسفة العقل وليس فلسفة اللغة، ويرجع سميث فيه إلى النظرية السلوكية التي تناولها في فصل علم النفس لكن هذه المرة بسلوكية "كوين'، الذي يعتقد أن العقل ليس سجلا فارغا تماما، بغية التكيف، لكن لابد من تنظيم هذا العقل حتى يتم التعامل مع المحفزات الأكثر تشابها من غيره، ولا يخلو هذا الفصل من وجهات نظر لغوية أكثر توسعا...
بينما جاء الفصل الأخير لمُثل تشومسكي وأرائه حول القضايا الراهنة، والتي لا تكاد تخفى على أحد، سواء المهتمين أو غير ذلك، وذلك لكثرة انتشارها -على الأقل بعضاً منها- سواء ما تعلق بنقد السياسة الخارجية الأمريكية، حروب الولايات المتحدة في غرب آسيا، ويكيليكس، الربيع العربي، خيانة المثقفين، شمولية الإسلام وغيرها من المواضيع التي كان له فيها رأيا وبصمة.
أخيرا يجدر بنا أن لا نبخس حق المترجم على كل هذا الزخم الفكري- رغم تحفظي على بعض المصطلحات التي لم تأت موفقة- حيث أتعبتني الترجمة في بعض المفاهيم، التي لم أجد فهما ميسرا لها و استغرقت مني بحثا مطولا حتى أجد النسخة الإنجليزية التي قربت الفهم ومن أمثلة ذلك "طبيعة المثلنة" وفي مقابلها الإنجليزي كانت (The nature of idealization) إضافة إلى ترجمة إسم عالم النفس السويسري ( جون بياجيه) بـ ( بياجيت) خطأ فادح، فبرأيي هكذا أعمال يجب أن تترجم من طرف مختصين ذو سعة معرفية واسعة،ولا يكفي الإلمام أو اتقان اللغة المترجم منها .