"لا تروي الفنانة الفلسطينية تمام الأكحل حكايتها وبعضا من حكاية زوجها الفنان إسماعيل شموط في هذا الكتاب، إلا لتروي حكاية جيل النكبة الذي وجد نفسه في عراء التاريخ، فحاول أن يعيد صوغ هويته بالألوان والكلمات، وأن يجمع مزق ذاكرته كي يعيد تأسيس الحلم الفلسطيني... في هذه المذكرات نتعرف إلى بعض من ملامح امرأة، وكثير من تجربة فنانَين بحثا عن فلسطين في كل مكان، ليجدا أن الوطن مرسوم على أرواح الفلسطينيين، وأن الحكاية حين تُروى تستدرج حكايات أخرى لا نهاية لها" (إلياس خوري)
.. كتاب اليد ترى والقلب يرسم سيرة تمام الأكحل وإسماعيل شموط الصادر عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية في عام2016 واحد من أجمل كتب السيرة التي قرأتها باستمتاع وفرح وحب. كتاب عظيم لذاكرة امرأة أحبّت وطنا في رجل، ولونًا في وطن. وجاءت كل كلمة سطّرتها في هذا الكتاب لتكون لوحة عشق أبدي، وذاكرة نور ونار. على مدار أسبوع كنت أجلس إلى جانب تمام، فتحكي لي بحميمية القارئ المتفرّد بالحكاية.. حكاية عفوية، قريبة منا، ذكيّة، توثيقية، وفي الوقت نفسه محتَرِمة للخطوط الاجتماعية وللأسرة الفلسطينية والعربية عامة، وللرؤية الناضجة للأوضاع الثقافية والسياسية في المشهدين العربي والعالمي. أصدقكم القول، عندما قرأت عنوان الكتاب لأول مرة استغربت أن تقدّم تمام اسمها على اسم إسماعيل في الغلاف - كعادتنا نحن النساء الشرقيات في التأخر خطوة خلف اسم الرجل - ثم أرجعت ذلك لكونها المؤلفة ليس إلا.. لكن بقراءتي لذاكرة هذين العصفورين معا، تنبّهت إلى قوة هذه المرأة الفلسطينية، وذكائها، وعطائها، وسرّ وجودها في حياة إسماعيل شموط الذي لولاها لربما لم يصبح إسماعيل الذي عرفناه وحملناه هو وفرشاته على أكتافنا. تمام رسامة ذات رؤية منذ نعومة أظفارها، لكنها أضافت لمسؤوليتها تجاه نفسها وفرشاتها ووطنها مسؤولية عظمى؛ ألا وهي الاعتناء بإسماعيل وحبه اللا مشروط ودعمه وتوثيق خطواته.. والتأخر خطوة أحيانا عن تحقيق مشاريعها، لتتأكد بعين الحبيبة والأم أن شريكها يتقدم بخطوات ثابتة، لا له وحده، بل لنا جميعا. هذه السيرة توثيقية لمرحلة ما قبل النكبة وأثناءها وبعدها، وتعدّ شهادة مهمة جدا.. جدا، وترد بأحداث تفصيلية أحيانا، أو تكتفي بإشارات عابرة لمن يهتم ويتفكّر، بالإضافة لدعمها بالصورة واللوحات المؤرخة والمعنونة. هذه السيرة ليست سيرة فنانين تشكيليين فلسطينيين بقدر ما هي سيرة امرأة ورجل، إنسان، وطن، أمل، حياة، طموح، حب، صداقة، سفر،..... هذه سيرة صالحة للقراءة في أي عمر وأي مرحلة ولأي قارئ.. إنها رواية وقصيدة وخاطرة ولوحة وموسيقى وكل ما يمكن أن يخطر ببالك! وسواء كنّا كتابا فلسطينيين نبحث في ذاكرتنا الجمعية، أو قراء عاديين نلتمس المعرفة والثقافة العامة، فهذا الكتاب كنز أدبي وثقافي واجتماعي بلا شك. وآسف جدا على عدم انتشار الكتاب وتداوله، بل أن أكون أول من يسجل هذا الكتاب على #جودريدز ويقيمه رغم أننا في عام2021
أدعو القراء إلى الاهتمام بهذا الكتاب، ودعم قراءتهم له بقراءتي التي وثقتها لديّ في حسابي على إنستغرام، وبمقاطع الفيديو التي سيجدونها على منصات الإنترنت، وكذلك شهادات ومراجع مؤرخة لكثير من الشخصيات التي ترد عَرضًا في الكتاب.
بداية العنوان رائع جداً جداً وشاعري تبدأ المذكرات في يافا، وطفولة تمام في منزل العائلة الكبير، وعدد أفراد اسرتها الكبير، التعليم ومحاولات الرسم الأولى، مواسم قطف البرتقال تشعر بأنك تشتم رائحته عبر السطور ثم تقفز بك قفزاً إلى النكبة، الحدث المحوري في هذا العصر، ولكن معرفته شيء، ومعاينته شيء آخر، وصفها مبكي ومؤلم للغاية، تحدثت انها رسمته في عدة لوحات، وكذلك فعل اسماعيل زوجها، واظن انها مشاهد لا يمكن رسمها ولا وصفها، مهما حاولنا والمحاولات مهمة طبعا للتأريخ والتذكير بعد ذلك تصل السفينة إلى بيروت، وتبدأ رحلة الشتات، التي لم يستعد لها والدها فأحضر القليل من المال، لاعتقاده أنها فترة قصيرة ويعود إلى بيته! تحكي معاناتهم مع الفقر في بيروت، التمييز بينهم وبين اللبنانين، في فرص العمل والدراسة حينها، حصولها على منحة في المقاصد، وقبولها الملابس المستعملة من زميلاتها، وأولى لوحاتها بفرشاة من خصلة شعرها، وألوان الغسيل! تجربتها في زيارة المخيمات الفلسطينية، في لبنان موجعة جداً، ووصفها المؤسف للمكان والظروف، تنتقل تمام بعدها للقاهرة، والحقيقة هذه النقلة ملفتة ولم تتحدث عنها بما يكفي، مع أنها تحدثت عن دعم والدها اللامحدود لها، وكذلك أخوها محمود، لكن موقف والدها مدهش في ذلك الزمن وتلك الظروف! رغم صعوبة عيشها في القاهرة وماتعرضت له من ظروف ومواقف، لكنها كانت فترة صقلتها وتعلمت منها الكثير، وتعرفت فيها على إسماعيل شموط، الطالب القادم من مخيم خان يونس لدراسة الفن في القاهرة، وتبدأ بعد تخرجهم قصة الحب بينهم وماتلاها من أحداث بعد زواجهم يبدأ نشاطهم الفني المشترك، وبعد سنوات تقوم الحرب الأهلية في لبنان، والأيام الصعبة التي عاشتها ووصفتها، مريعة التفاصيل حقيقة ومؤسفة للغاية. فيما بعد تتحدث عن أولادها ومعاناة والدهم مع المرض، ثم التردد على ألمانيا -الشرقية- للعلاج ثم نقل الأولاد لمدارس داخلية هناك، وهكذا، بعد الاجتياح الاسرائيلي للبنان عام ٨٢م تقرر تمام وإسماعيل الخروج من بيروت واستحالة العيش فيها بالنسبة لهم، تختار الكويت، حينها كان دعم الكويت لفلسطين ومنظمة التحرير قوياً، لا تتحدث كثيراً عن فترة الكويت حقيقة، القليل من أهم الأحداث، وتحدثت عن تنوع المجتمع الكويتي حينها، والمختلف عن مجتمع بيروت، وتلك الفترة في الكويت كانت ثرية بتنوعات مختلف، من الجنسيات المقيمة، والتيارات الفكرية، والسياسية والفنية وغيرها، لكن لم تفصل وتشفي غليلي الحقيقة وتعطي المرحلة حقها، ثم تقفز للغزو العراقي، وبقائها في الكويت، خلال تلك الفترة، ولم تتحدث عن قصة خروجهم من الكويت، وانتقالهم لعمّان وهي بالتأكيد درامية، لكن لفت انتباهي غضبها، ونقدها لموقف الكويت، من منظمة التحرير الفلسطينية، والفلسطينين المقيمين في الكويت بعد الغزو، دون أن تتطرق للسبب الأهم الذي دعى الكويت لاتخاذ هذه الاجراءات! وهو خيانتهم للكويت، ووقوفهم مع صدام، سواء موقف السلطة الفلسطينية، أو المقيمين في الكويت، وغيرها مما هو معروف! فكيف تلام الكويت بعد هذا!! استمتعت كثيراً وتأثرت بعمق أثناء قرائتي للكتاب، شهاداتها حية وموجعة لأحداث متنوعة، وذهبت لليوتيوب ووجدت لها عدة لقاءات شاهده معظمها حقيقة، ووثائقي كنا معا فيه إسماعيل رحمه الله يتحدث معها، ويحكي ذكرياته. ذكرياتها مثل معظم الذكريات النسائية، تحكي فيها عن العالم الخارجي، لكن لا تتحدث عن مابداخلها كثيراً، حتى أمومتها مثلاً لم تتحدث عنها بتفصيل وإنما إشارات سريعة، نعرف أنها امرأة ريادية في فنها وتجربتها، لكن تمنيت لو تحدثت عن أثر ذلك داخلها، وهي فنانة ولها تجربة مبكرة وسابقة في التعلم والعمل والنضال. ربما اختارت ان تعبر عن مابدخلها عبر اللوحات، لكن لا أراه كافيا فلديها الكثير حفظها الله وأطال في عمرها على خير وعافية. ملاحظة: قصيدة فدوى طوقان عن حب إسماعيل وتمام جميلة، قصة حبهم فعلا وثنائيتهم الفنية، والزوجية، رائعة وملهمة للغاية. القصيدة :https://www.alsh3r.com/poems/view/14203 بالمناسبة صعوبة الحصول على منشورات مؤسسة الدراسات الفلسطينية تجعل من انتشار مثل هذه الكتب الرائعة حلماً مستحيلاً!
This entire review has been hidden because of spoilers.
أقرأ هذه السيرة وصوت مارسيل خليفة في رأسي وهو يغنّي كلمات محمود درويش في قصيدته المحبّبة لقلبي "أجمل حُب" أحب الحب، وأحب اللي يحبّون وأسعد كل السعد في حال عرفت شخصين ارتبطوا والحب معينهم ومُرشدهم في رحلة الزواج.
سيرة معجونة بالحب والوفاء والأمل في العودة، العودة إلى بيارات البرتقال في حيفا، العودة إلى اللد لأن إسماعيل "لدّاوي" أصلي، العودة لكل ما تركوا خلفهم بنيّة العودة، العودة إلى البيوت التي خرج أصحابها بمفاتيحهم، لعل الأبواب تبقى وفيّة كوفاء أصحاب بيوتها..
هي ليست بالسيرة العادية وهذا الشيء الأكيد، هي ليست فقط عن الحب والحياة والنضال من أجل الوطن بعيداً عن الأحزاب والنشاطات السياسة، ولا عن الفقد والتمنّي فقط. هي عن كل ما سلبه الصهاينة من حياة ووطن وأمنيات ومستقبل من الفلسطيني/ن ومنّا بالتأكيد.
اعتقدت بأنني سأقرأ كتابًا عن الحب وبناء حياةٍ مشتركة في مجال الفن، إلّا أنني وجدت نفسي أنهار بكاءً، أو على الأقل أتنهد حسرةً أكثر من مرة أثناء القراءة. الفنانان الحالمان، رغم رومنسيتهما وشغفهما، عاشا حياةً شاقة، معًا وكلٌّ على حدة، ابتداءً من اقتلاعهما من بيوتهما وعيشهما رحلة اللجوء وحتى الشتات. تأخذنا الفنانة تمام الأكحل في رحلة عبر حياتها وتعرّفها على الشاب الأسمر النحيل الذي أصبح رمزًا للفن التشكيلي الفلسطيني المقاوم، وحياتها معه كفنانة تشكيلية وعاملةً نشطةً في مجال الثقافة والحفاظ على التراث.
ذكرت تمام أكثر من مرة أنها وزوجها رفضا الأحزاب وفضّلا عدم الانحياز إلى أيٍّ منها، إلّا أن الأحداث تدل على عكس ذلك، فقد انخرط كلاهما بالعمل السياسي، ولو بشكل غير مباشر، وكنت أتمنى أن تذكر المزيد عن اتخاذهما لهذا القرار. كنت أتمنى أيضًا أن تتحدث أكثر عن حياتها في الكويت قبل وأثناء الغزو، وكذلك عن الوضع السياسي هناك من وجهة نظرها كفلسطينية. كان جليًا في كتابها رفضها للغزو ولكنها لم تذكر رأيها كمقيمة وصديقة مقربة من أبو عمّار. كذلك رأيت تناقضًا بين حديثها عن أوسلو وما حدث على أرض الواقع - أو على الأقل ما نعتقد أنه حدث. تمنيت أيضًا أن تُسهب أكثر بحديثها عن بعض الشخصيات التاريخية الفلسطينية كأحمد الشقيري وشفيق الحوت وناجي العلي، وحتى عن مقابلتها لفدوى طوقان. وعن أمومتها وأبوة إسماعيل كذلك.
يعد الكتاب توثيقاً لمرحلةٍ (أو مراحل) مفصلية في تاريخ فلسطين من وجهة نظر شخصية، وأعتقد بأنها لم تتخيل أثناء كتابة الكتاب توق القراء الذين لم يعايشوا تلك المرحلة للتعرف على الكثير من التفاصيل التي لم تذكرها. دوّنت الكثير من الأحداث دون التطرق لرأيها أو مشاعرها حيالها، ولكن قراءة ما كتبته عن آخر لحظاتٍ لها في يافا، ورؤية لوحة "الاقتلاع من يافا" في الوقت ذاته جعل الرسم أكثر قوة وتأثيرًا، فتكاد تشعر بصفعات الموج على وجهك وتسمع ارتطامها، ويصيبك بعضٌ من الضيق والوهن الذي عاشه ركاب البواخر.
يا ليتها كتبت المزيد، ويا ليتنا قرأنا سيرة من كتابتها وإسماعيل معًا قبل وفاته. وما دمنا نتمنى، فيا ليتها بقيت في يافا، وبقي هو في اللد، ولم تكتب هذه السيرة، ولم يتعطش كل فلسطيني لالتهام كل ما يرى من كتب ووثائقياتٍ ولوحات عن فلسطين.