بدأت بقراءة رواية البشرات بسقف توقعات مرتفع جداً, فأنا من المولعين بالتاريخ والروايات التاريخية, ومن الفترات المحببة إلى نفسسي فترة الوجود العربي في الأندلس وقد قرأت عن هذه الفترة التاريخية كثيراً وكتبت عنها كذلك( عندي روايتين مخطوطتين لم أنشرهما بعد عن الأندلس).
وإضافةً إلى المراجعات الإيجابية الكثيرة وذلك كله رفع سقف التوقعات, ولكن للأسف خاب ظني, ليس تماماً ولكن بعض الشيء.
بدايةً أقول إن الرواية معقولة والكاتب إبراهيم أحمد عيسى كاتب موهوب ومتمكن, ولكن ثمة بعض الملاحظات السلبية:
_ من الطبيعي أن أي رواية تاريخية ستحكي عن أحداث حصلت وعن شخصيات حقيقية عاشت في تلك الحقبة إضافةً إلى شخصيات متخيلة وأحداث مختلقة ليصنع الكاتب من ذلك كله رواية أدبية. هنا كانت العناصر ناقصة, وثمة عنصر مهم مفقود وهو الحكاية. الرواية كانت مجرد عرض تاريخي لأحداث حقيقية يعرفها أي مهتم بالتاريخ, قد يقول قائل, ولكن.. والشخصيات الروائية الموجودة في الرواية أين نسيتها؟.
الحقيقة أن هذه الشخصيات لم تكن شخصيات روائية وإنما كانت مجرد أفكار تتحرك لتعبر عما يريد الكاتب قوله.
_ اللغة كانت جيدة ولكن يوجد العديد من الأخطاء اللغوية وفي صياغة بعض الجمل, ولو كانت الرواية مرت بين يدي مدقق لغوي محترف أو محرر صارم لكان الوضع أفضل بكثير.
_ الأسلوب أيضاً جيد, ولكن يعيبه بعض الفقرات التقريرية المباشرة والفجة إضافة إلى الكثير من الفقرات الوعظية. الروايات هي أعمال أدبية وليس من مهامها الوعظ أبداً, والأفكار من الممكن تمريرها بأسلوب غير مباشر وغير وعظي.
_ ثمة خطأ تاريخي مهم. أسماء الموريسكيين العلنية كانت أسماء لاتينية إسبانية تتألف من اسم وكنية ( والمثال الذي كان صحيحاً في الرواية اسم: فرناندو دي كوردوبا وفالور) وطبعاً فيما بينهم من الممكن أن تكون أسماءهم على النمط العربي (محمد بن أمية ) ولكن ليس على شاكلة غارسيا بن الوليد أبداً, فهذا خطأ فادح, أسماء الموريسكيين لم تكن هكذا.
وخطأ تاريخي آخر, رسالة ابن عبو إلى القسطنطينية كانت في الرواية قطعة أدبية فصيحة ورائعة, الحقيقة لم يكن الأمر هكذا, ومن اطلع على إحدى الرسائل الحقيقية لابن عبو والمحفوظة في المتاحف والموجودة في المصادر التاريخية لحزن من تدهور مستوى اللغة العربية خلال ثمانين سنة فقط من سقوط غرناطة, اللغة باتت مهلهلة حقاً ولا تكاد تقرأ وتفهم, للأسف.
(البشرات) رواية جيدة وأظنها حازت هذا الإعجاب كله من القراء لأنها داعبت حنيناً إلى زمن مفقود ومسّت جرحاً يبدو أنه ما زال مفتوحاً, وهي من وجهة نظري الخاصة أفضل من الثلاثية الشهيرة للراحلة رضوى عاشور
سأقرأ للكاتب مجدداً لأنه كاتب جيد ويملك الموهبة وأظن أن رواياته القادمة ستكون أفضل بعد أن يتخلص من بعض العيوب.
أخيراً أقول الرواية جديرة بالقراءة.