أعتبر نفسي قارئا سريعا للكتب ولكن في هذا الكتاب إحتجت إلى أسبوعين حيث بدأت القراءة الأولى في محمية دبين وأنهيتها ظهر اليوم في هدوء الحظر الأسبوعي. السبب في التأخير ليس صعوبة الكتاب أو أنه غير مثير للاهتمام بل بالعكس لأنه يتضمن أفكارا جديدة ومضمونا معرفيا متميزا جعلني أفكر كثيرا اثناء قراءة الفقرات والفصول بالسؤال الرئيسي: هل ما يقترحه إبراهيم غرايبة يمكن تطبيقه؟ الكتاب متفائل جدا، ويقدم تصورات طموحة حول كيف يمكن للأردنيين حكومة ومجتمعا أن يقودوا عملية تحول سياسي واجتماعي واقتصادي وثقافي وتنموي نحو حالة متميزة من النجاح عن طريق استثمار الفرص الكامنة في الموارد الطبيعية وراس المال الاجتماعي. الكثير من هذه الطموحات تبدو صعبة التحقق الآن ولكن الفرص كامنة في نجاحها. على سبيل المثال، وفي الفصل الخاص بالتعليم في الكتاب الذي تم إعداده قبل جائحة كورونا يكتب غرايبة في الصفحة 249 :"باستطاعة وزارة التربية والتعليم والجامعات أن تتيح كل المناهج والمهارات التعليمية والمعارف على الشبكة وتبدأ بتطوير علاقة الطلاب والمجتمعات والأسر بها". هذا التحول حدث بالفعل نتيجة الصدمة والحاجة الملحة التي رافقت جائحة كورونا. يمكن أن تتحقق الكثير من الطموحات الأخرى نتيجة صدمات في قطاعات المياه أو الزراعة أو التلوث أو الاكتظاظ السكاني أو الجوع ولكن لماذا يتعين علينا إنتظار الصدمات لتحقيق التطور؟ أكثر ما أعجبني في الكتاب هما الفصلان الأول والأخير. الفصل الأول هو استعراض مهم جدا لتاريخ المكان الأردني بدءا من الحضارات القديمة وانتهاء بالدولة الحالية، وهو إذ يرصد عراقة الاستيطان والتنمية في الأرض الأردنية فهو لا يقدم نظرة شوفينية تفاخرية بقدر ما هي عملية تحليل علمي للموارد والأراضي ورأس المال الاجتماعي عبر التاريخ والتأكيد على وجود الكثير من الطاقات الكامنة في الأررض الأردنية بالرغم من الصورة المنتشرة عنها بالفقر في الموارد الطبيعية. هذا الفصل يستحق أن يقرأه كل فئات المجتمع الأردني للحصول على بانوراما زمنية للتراث الأردني. الفصل الأخير يتعلق بالإصلاح والثقافي والاجتماعي باعتباره عملية اساسية تقود إلى التنمية وليست بالضرورة نتيجة عنها. يعرف غرايبة الثقافة بأنها عملية تنموية وهذا يعني ضرورة ارتبطها بكافة عناصر الإنتاج والاستهلاك وليس فقط المظاهر الثقافية المنعزلة ويقدم خارطة طريق هامة نحو الإصلاح الثقافي. بين الفصلين هنالك عدة فصول متميزة حول عناصر التنمية وكيفية استثمار الطاقات الكامنة في مشاريع وبرامج تنموية حديثة وذات منظور وطني بعيدا عن ضيق الأفق الاستثماري أو التي تخدم طبقة صغيرة من المجتمع تحظى بكافة الامتيازات والفرص. من منطلق معرفتي ببعض المحددات الطبيعية التي تواجه قطاعات المياه والزراعة والطاقة، قد تكون بعض الطموحات المذكورة في الكتاب غير قابلة للتحقيق على المدى القريب أو المتوسط ولكن معظم المقترحات والأفكار الواردة في الكتاب تحتاج إلى الإرادة السياسية والتعاون المجتمعي أكثر من التمويل وهي قابلة للتحقق في حال حدثت نقلة نوعية في كل نمط الإدارة العامة والمشاركة الاجتماعية في الأردن، وهذا ما يجب أن ندعو له ونؤمن بإمكانية حدوثه. كتاب إبراهيم غرايبة مساهمة متميزة في قضايا شائكة وصعبة ويستحق أن يقرأ على مستوى واسع من كافة النشطاء والخبراء والمهنيين وصناع القرار والإعلاميين وبالطبع الأكاديميين وقادة الرأي والمستثمرين في القطاعات التي يغطيها الكتاب.
في سياق مئوية تأسيس المملكة الأردنية الهاشمية يخرج علينا الكاتب إبراهيم غرايبة بهذا العمل الفكري الفريد من نوعه. وجدت هذا الكتاب محاولة جديّة لتحديد المشاكل والتحديات المعاصرة بل وتقديم حلول لها وفق منهجية تاريخية جدلية، وهو اسلوب احترافي وضروري كبديل للمحللين الهواة وناشري الاخبار الزائفة عبر الواتساب. ان تدهور حالة القطاع العام سواء في التعليم او الصحة بل حتى حالة الطرق والارصفة لهو مؤشر على ان سياسة الليبرالية الاقتصادية او ما يسمى بالخصخصة قد أدت لتغول القطاع الخاص على العام. بسبب غياب التخطيط المركزي في السوق الحر تسود الفوضى والتي ادت لاستغلال اصحاب رؤوس الاموال للمواطنين من غير رقيب، كما وكان لها اثاراً اجتماعية لا تقل خطورة عن الاقتصادية. فالعقلية الرأسمالية التي بدأت تستشري في الأردن ستمنع تأليف رواية او قصيدة ليس لها جدوى اقتصادية ولن يكون ممكنا سماع اغنية لا يتخللها نشاز الاعلانات الاستهلاكية وسيكون المعيار المستخدم في الحكم على الشخص هو ماركة الملابس التي يرتديها. هنا يدعونا الكاتب لأن نعود الى كتب التاريخ لنستذكر قصص الحضارات المتعاقبة التي استوطنت هذه الأرض لألاف السنين. مع التنوع الكبير بين الحضارات السالفة في الأديان واللغات والاعراق الا ان هناك عامل مشترك بينها كلها وهو الزراعة. كانت الزراعة سر نجاحهم وهو الامر الذي ما زالت اثاره باقية في تراثنا المتوارث. الأراضي الزراعية التي تعتمد على مياه المطر نسميها لليوم أراضي بعل، ويرجع سبب التسمية لبعل إله الخصوبة لدى الآراميين. ومن اللغة الآرامية نجد أيضا "الدبكة" تعني القفز وهو طقس جماعي كان يتم لاستخلاص الحبوب من السنابل. العبرة المستفادة من دراستنا لماضينا هو ان علينا ان نهتم بالقطاع الزراعي المهمل. ويمكن فعل ذلك عن طريق توجيه موارد وأدوات الإنتاج نحو توفير المياه واستصلاح الأراضي. بدلا من نظام مركزي يدير عملية التأميم هذه من المستحسن ان يحدث التنظيم على مستوى كل مدينة. ونكون بذلك قد حققنا نموا اقتصادية حقيقيا وخلقنا فرص عمل وحافظنا على ثقافتنا بوجه العولمة. ان اهتمام الكاتب بمناقشة أصغر التفاصيل تدل على الجديّة في التحليل لكنه جعل الكتاب يعاني من الاسهاب بل والتكرار أحيانا، واعتقد ان أسلوب تقديم الفكرة كان من الممكن ان يكون مشوقاً اكثر اذا تم الاستغناء عن استخدام أدوات العطف بكثرة. لكنني وجدت الحل المقترح للتحديات المعاصرة مفرطاً بالتفاؤل بل هو وصف ليوتوبيا تخيلية. فانا كوني فردا من الشباب الأردنيين أرى المستقبل بواقعية أكثر يمكن حتى وصفها بالتشاؤمية. إن الخصخصة كانت لها مساوئ كثيرة بلا شك ولكن هناك سبب جذري واعمق من ذلك بالذات لمشكلة البطالة، الانفجار السكاني. إن تعداد السكان الأردني بقي ثابتاً لعشرات الاف السنين لكنه تضاعف ٤٠ مرة في المئة عام الماضية. فإدخال اللقاحات أدى للقضاء بالكامل على الامراض التي كانت تقتل نسبة كبيرة من المواليد مثل السل وشلل الأطفال، كما ان المستشفيات الحديثة أدت لزيادة متوسط العمر. هذا بالإضافة لموجات اللجوء المتعاقبة أدى لوصولنا الى الحالة المعاصرة، إذ يندر اليوم وجود منزل ليس فيه عدة عاطلين عن العمل بل قد يكونوا دارسين للطب او الهندسة. لا أرى في هذا السياق أي حل جذري قد يغير هذا الوضع بين ليلة وضحاها او حتى في الستقبل المنظور.
أعتقد بأنه ليس فقط كتاب هو مشروع متكامل ليصبح الأردن الذي نريد ونحب، لو كنت صاحبة قرار لجعلت هذا الكتاب متطلب إجباري في الجامعات لإكمال متطلبات الحصول على الشهادة، وفي المؤسسات الحكومية متطلبات الحصول على وظيفة فمثلاً (السيرة الذاتية، وقراءة كتاب الأردن الممكن).
على كل من أصحاب (المعالي، السعادة ، العطوفة) قراءة هذا الكتاب ويسترشدوا به خلال عملهم ومنصبهم، والمواطن العادي يسترشد به في حياته اليومية.