تعود بطلة الرواية "دورا" إلى قريتها مع وقع جريمة قتلٍ غريبة وغامضة، ربما تبدو للقارئ لأول وهلة وكأنها الأساس الذي تقوم عليه الرواية، أو هي محاولة من الكاتبة لجذب انتباه القارئ بالحيلة البوليسية التقليدية، ولكنها سرعان ما تضعه في قلب شخصيات الرواية وأحداثها، لنجد أنفسنا إزاء نماذج بشريّة شديدة الخصوصية والرهافة، تحكي عن كل واحدٍ منهم وعن سيرتهم بشكلٍ موجز، حتى نتعرف على عالم الرواية في واحدةٍ من أحياء بيروت التي لاتزال تجتر آثار الحروب والدمار، ويسعى أفراد هذا الحي لتجاوز مآسيهم كل واحدٍ بطريقته إمّا بامتلاك المزيد من العمارات والسيطرة على الأرض، أو محاولة الاهتمام بشؤون جيرانهم وحالتهم الصحية والنفسية، وإمّا بالسعي وراء كشف الغيب واللعب بأوراق المستقبل لكي يطمئنوا لحاضرهم! جمانة، ودورا، وهيام وإيمان، وديبة، وغزلان، شخصيات نسائية تختلف توجهاتها وأفكارها، ولكنهم يلتقون في ذلك الحي وهذه الرواية، وتختلف في النهاية مصائرهم، كأنما أرادت الروائية لنا عبد الرحمن أن تعرض لوحة نسائية بانورامية متنوعة، لأطيافٍ مختلفة من النساء وكيف عاشوا وحلموا وتحركوا على هذه البقعة الصغيرة، بين حي الأمير ومقهى "بودابار" الذي يحمل اسمه ذلك التناقض الظاهري بين الحياة الروحية والمادية، ويفرض حضوره على كل الشخصيات، رغم ما بينها من اختلاف وتباعد!
"تصغر كل مصائب الدنيا حين يمر عليها الوقت".. ألا يمكن الحياة في وقت متأخر، ربما هذه الحقيقة، وربما لا توجد حقيقة أبدا، بين لعنة الحب والجمال تدور احداث الرواية في بيروت الحبيبة.. علي أرض ملعونة بالدماء، بين حلم النسيان، نسيان الحرب، نسيان محنة فقدان الوطن والأهل والأمان..
رواية ( بودابار) للكاتبة لنا عبد الرحمن الصادرة عن دار نشر الضفاف عام ٢٠٢١ فى مدينة بيروت تدور أحداث هذه الرواية الصغيرة حجما و التى تترك في نفسك أثر كبير بعد قراءتها . بيروت المدينة الجميلة الفاتنة ، صاحبة الحضارة العريقة الضاربة فى عمق التاريخ ، و المبتلاة بحروب و أزمات كبدتها خسارات فادحة و لكنها أبدا لم تنل من جمالها و روحها المحبة للحياة. دورا السيدة العائدة من بلد المهجر لبلدها لبنان ، و فى أول يوم تسكن فيه فى بناية فى حى الأمير الذى يقع بين بيروت الشرقية و الغربية ، تقع جريمة قتل للحسناء ( جمانة ) القاطنة فى نفس البناية ، و تختفى الجثة تاركة الشرطة و الجيران فى حيرة لحل اللغز . تتوارى الجريمة مع الوقت فى الخلفية ، لنتعرف على سكان الحى الذين ما يزالوان يعانون من تبعات الحرب الأهلية و الأزمات المتتالية ، و يكملون طريقهم في الحياة متناسيين المصائب كلا بأسلوبه . يوسف ، ديبة ، إيمان ، غزلان ، مروان ، فرح و غيرهم ، كلها شخصيات رسمتها الكاتبة من واقع حياة اللبنانيين و رسمت ماضيهم ، نشأتهم و حالتهم النفسية التى أدت إلى أفعالهم ببراعة كبيرة ، خالقة عالم أقرب ما يكون إلى الحقيقي ، فكأنى أعرف هؤلاء الأشخاص أو أعرف أشباه لهم . بودا بار اسم الرواية المناسب جدا لأفكارها ، البار الموجود بالحى و يربط بين سكانه ، و يشكل التناقض الكبير بين ما هو روحى و ما هو مادى ، بما يشبه سمات الكثيرين . جمانة فى رأيي تمثل لبنان الجميلة الساحرة ، عشاقها كثر ، كل وله بها و احتلت شغاف قلبه ، و لكن لم يكمل معها أحد منهم الطريق للنهاية ، و كل شارك في قتلها بطريقة أو بأخرى ، و ربما إختفاء الجثة يعطى أمل بأنها ما تزال حية و ستعود يوما ما جميلة و ساحرة إلى الأبد. الغربة ، الوحدة ، الإنتماء ، مفهوم الوطن ، الحب كلها مواضيع تناقشها الكاتبة في روايتها من داخل حى الأمير ببيروت منطلقة منه لفضاءات أرحب فى إطار آخاذ و جاذب . أسلوب الكاتبة و تعبيراتها و مفرداتها جميلة جدا ، الرواية مشوقة و ممتعة رغم الشجن و الألم ، و النهاية مفاجأة. قرأتها على تطبيق أبجد و اخترت لكم منها هذه الإقتباسات: ليس هناك صدفة ، الصدفة ضرورة قدرية . إن الحب لا ينيغى أخذه على محمل الجد ، فالجذوة التى تتقد في قلب العاشق لا بد أن تنطفئ بعد حين مهما طال زمن اشتعالها ، لأن الهوى ليس له علاقة بالمنطق . إن ما ينبغى علينا معالجته بقدر ما نعالج الأجساد النازفة هو علاج وحشية الإنسان تجاه أقرانه من بنى البشر . بمرور الوقت تكتشف أن المعاناة الإنسانية من البديهيات التي تتجاور مع الحياة ، بشكل محير ، فلا يمكن الفرار منها ، كل ما يمكن فعله هو أن نحيدها قليلا كى نواصل العيش مع بعض النسيان . بعض أنواع الحب تنتهى مجرد أن تظهر للمجتمع ، يحمل المجتمع سوطه و يبدأ بجلد العاشقين جلدا حتى الموت .
بمرور الوقت تكتشف أن المعاناة الإنسانية من البديهيات التي تتجاور مع الحياة بشكل محير فلا يمكن الفرار منها كل ما يمكن أن نفعله أن نحيدها قليلاً لكي نواصل العيش مع بعض النسيان تتبدل الأحوال والأشياء مع مرور الزمن لكن الشخصيات ذاتها تبقى دون تغيير للأبد تصغر كل مصائب الدنيا حين يمر عليها الوقت