"الجوانب الفكرية في مختلف النظم الإجتماعية -فؤاد زكريا"
كتيب أو كراس يقع في حوالي ٦٠ صفحة تم نشره عام 1972 , يتناول الجوانب الفكرية التي صاحبت النظم الإجتماعية الأربعة الرئيسية المختلفة منذ فجر التاريخ بشكل موجز وبسيط , و أعتقد أنه كان من الأنسب وصفها ب "النظم الإقتصادية" بدلاً من "النظم الإجتماعية" ولكن على كل حال فإن مبدأ الترابط ووحدة الكل يجعلنا لانتوقف كثيراً أمام ذلك
يبدأ الكتاب بمرحلة ماقبل الإقطاع والتي يمكن تقسيمها إلى مرحلتين : المشاعية البدائية و الرق , المشاعية البدائية حيث البساطة والمساواة الطبقية الكاملة و الحصول على قدر الإحتياج , ثم الرق حيث التأسيس الأول للمجتمع الطبقي , والثراء والفقر و المُستغِل و المُستغَل , بداية إستغلال الإنسان لأخيه الإنسان الذي تم أسره عن طريق الحرب ثم في مرحلة تالية عن طريق شراءه و تسليعه , ويؤكد الكاتب على إيجابيات صاحبت تلك المرحلة كما صاحبت المراحل التالية لها , ففي مرحلة الرق كان هناك المزيد من الوقت للعمل الفكري للطبقة المُستغِلة التي تحتقر العمل اليدوي و التي تركته بدورها لطبقة الرقيق مما اتاح التفرغ و الإنجاز في المجالات الأخرى كما نرى في الحضارة اليونانية ولكن على المستوى الإنساني فلا حاجة بنا إلى الحديث عن مدى خسة ودناءة مرحلة الرق , ثم ننتقل بعد ذلك إلى المرحلة التالية وهي "مرحلة الإقطاع" حيث المنح والعطايا في صورة مساحات شاسعة من الأراضي والتي ظهرت في أول الأمر بعد عجز الحكام والملوك عن مكافأة فئة العسكريين المنتصرين مادياً فحاولوا تعويضهم بمساحات من الأراضي ليصيروا فيها ملاكاً وحُكاماً و آلهة صغيرة تضع تحت أقدامها أعداداً كبيرة من الرعايا التي تعمل كالثور الذي كُفت عينيه بفعل التحالف بين الإقطاعيين و رجال الدين والذين إستهدفوا الترسيخ للمحافظة الإجتماعية و الإقتصادية وصبغ ذلك بصبغة دينية تتمثل في مبدأ القضاء المحتوم والذي يستوجب الإستسلام والرضاء بقضاء الإله وقدره , و يلفت الكاتب نظر القاريء هنا إلى سيكولوجية سكان الأراضي الزراعية و نزعتهم المحافظة الخاضعة المستسلمة للأرض و السماء والتي توارثتها أجيال المستغَلين كما توارث المستغِلين الأراضي وفلاحيها عن آباءهم و أجدادهم دون مجهود أو إستحقاق مجرد , وفي تلك المرحلة كان الإرتقاء الطبقي شبه مستحيل , فهو نظام منغلق على ذاته لا يسمح بالإرتقاء إلا في أضيق نطاق ممكن , ممما مهد للمرحلة التالية وهي المرحلة الرأسمالية والتي تتيح الإرتقاء الطبقي وشيوع فكرة الأجر النقدي الذي يتيح إمكانية الإدخار و الإرتقاء من خلال المشروعات الصغيرة مما أظهر تلك المرحلة كمرحلة عادلة تضع الجميع على قدم المساواة و ساهمت تلك المرحلة في إرتقاء علمي كبير و كان ذلك إحدى مميزاتها الكبيرة حيث لم يخل نظام اجتماعي من مميزات ، ولكن وجهها القبيح تم ظهوره لاحقاً حيث إستغلال للعمال في المصانع لا يقل أبداً عن إستغلال الإقطاعيين للفلاحين في الأراضي وهنا انقلب الثوار القدامى من البرجوازيين على معتقداتهم السابقة و تلبسوا مباديء الإقطاعيين المحافظ و تعاونوا معهم و ارتبطوا معهم بعلاقات مختلفة حتى المظاهر الإقطاعية الأرستقراطية لم يتردد بعضهم في الإقتداء بها , بل زاد الأمر سوءاً إنفصال العامل و إغترابه عن حقيقة عمله و عن صاحب العمل , و المساواة بينه وبين الآله والقضاء التام على الفردانية , ثم وضع أصحاب العمل للربح المادي قبل كل شيء وترسيخ المبدأ النفعي الأخلاقي حيث أن المستحسن هو النافع للرأسمال حتى لو كان هذا النافع هو الكذب والخداع و التدليس والقتل ومؤازرة الإٍستعمار , حتى لو كان "القنبلة النووية" ذاتها ، فعانى الجميع من سطوة الرأسمال على مقدرات كل الأمور ، حتى البرجوازية نفسها و التي عانت من نار الإقطاع والتي استغلت النظام الرأسمالي في الإرتقاء الطبقي , وجدوا أنفسهم مرة اخرى كالثور الذي كُفت عينيه في صراعه المحموم نحو ربح لا نهائي لا يعرف الكفاية ولا الغاية القصوى , حيث أًصبح الربح والتوسع فيه هو الهدف الوحيد دون أدنى عبء بما يحدث خارج ذواتهم من ضرر وتدمير , كل هذا جعل الرأسمالية تحمل في ثناياها عوامل سقوطها مما مهد بعد ذلك للمرحلة الإِشتراكية والتي حاولت تضميد الجراح التي تركتها الرأسمالية ونجحت في ذلك إلى حدِ كبير ,
ومن الملاحظ أن الكاتب لم يؤتِ تلك المرحلة الأخيرة نصيبها الكافي من محتوى الكُتيب , ربما لصغر حجمه و ربما لأسباب تتعلق بالجو السياسي المصري حينها ..
التقييم ٤/٥