يقول الفيلسوف الكندي -رحمه الله-: «ومن أوجب الحق ألا نذم أحدًا ممن كان أحد أسباب منافعنا الصغار الهزلية، فكيف بالذين هم أكثر أسباب منافعنا العظام الحقيقية الجديَّة؛ فإنهم وإن قصَّروا عن بعض الحق، فقد كانوا لنا أنسابًا وشركاء فيما أفادونا من ثمار فكرهم التي صارت لنا سبلًا وآلاتٍ مؤدية إلى علم كثير ...».
لذا فإنه من الواجب الحتمي علينا أن ندارس كتب علمائنا، وأن نعرف لهم قدرهم، وأن نفيد مما تركوه لنا من علوم وفهوم، وأن نزيد عليها من فهومنا ما يقربها لأذهان المتلقين في عصرنا الحاضر؛ لهذا كله تتضح أهمية هذا الكتاب، فإن العقيدة النظامية تأتي تأكيدًا على التطور الفكري الكلامي عند الإمام الجويني، وأما هوامشه التي قام بوضعها الأستاذ الدكتور محمد عبد الفضيل القوصي -رضي الله عنه- فهي تشهد على القراءة الواعية والاستيعاب الكامل والأحكام الصائبة عند أستاذنا -رحمه الله تعالى ورضي عنه- اللهم آمين.
لذا وجب علينا أن نسأل أنفسنا سؤالًا جوهريًّا؛ ما الفائدة التي يقدمها علم الكلام لدارسه؟!
إنَّ أيَّة معرفة تكسب المرء قدرة على إثبات العقائد فهي تندرج تحت هذا العلم، وحينئذ فالمقصود من علم الكلام؛ هو: اكتساب القدرة العقلية أو الملكة الذهنية بحسب معارف كل عصر، وهو كما يعرفه (الإيجي) بلفظ دقيق: «علم يقتدر معه على إثبات العقائد الدينية بإيراد الحجج ودفع الشبه».
لذا يَسُرُّ أسرة مجلة الأزهر أن تُقَدِّم للقارئ الكريم هذا العمل، والله نسأل أن ينفع به قُرَّاءَنا وأبناءَ أُمَّتِنَا، وأن يكون قد أدى الغاية من نشره، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالين.
يقول الجويني رحمه الله في قاعدة تربوية لطيفة "الاستمرار على حكم الاعتياد يعمي الذاهل عن سنن الرشاد" وهو كلام جميل أصدر به انطباعي عن هذا الكتاب القيم المكسو بحلية جمال نظم الإمام الجويني وبديع قلم الشيخ القوصي.
لفت انتباهي ذلك الملمح الذي أشار إليه الإمام الجويني أن كل حكم فلا بد أن يكون مرجعه إلى علم ضروري.وهذه إجابة مُسلِم عالم ثبت مبكرة على ذلك سؤال (ضمان العلم) الذي شغل الفلاسفة الغربيين أمثال ديكارت وسبينوزا وليبنتز وتعددت أجاباتهم بين انتهاء المعرفة للواضح أو للبسيط أو للمميز ولغيره. يجدر من وجهة نظري الانتباه في أوقات اعتدنا فيها سبق الحضارة الغربية بمكوناتها وفلسفتها العلمية (التي تتغير) الانتباه إلى أننا كان لنا موضع قدم مكين في هذه الفروع الفلسفية (ولا أقول السبق فليس في الواقع هو أهم شيء بقدر أهمية التمكن والبناء السليم) .
الكتاب مهم جدا في تقرير صفات السمع والبصر والكلام والخلاف الأشعري الداخلي بشأن هذه الصفات من حيث الإثبات ولوازمه ومن حيث تقرير الصفة وفهمهما بأقصى ما يمكن للعقل المنزه المُعتبر للنصوص أن يفهمها.. وإلا فأقصى ما يتحصل لنا من صفات الخالق خيالاتٌ ضعيفة ورسوم خفيفة بحسب تعبير الفخر الرازي رحمه الله.
الحمد لله على الانتماء لأمة مدققة ذات صرح شامخ في العلوم العقلية وذات حرية لا تنكر في الفكر والبحث لم يمنع جمود الانتماء المجتهدين منهم من مخالفة ما انتموا إليه في مسائل لاح لهم فيها ما اعتقدوه حقا فقرروه.