بسم الله وبعد :)
قبل أن أتحدث لكم عن كتاب التفسير هذا يجب أن أتحدث عن علاقتي مع هذا المجال والذي أعني به مجال التفسير كعادتي في إدخالكم في شؤوني الخاصة وجعل مراجعتي ذات طابع شخصي :) وأعتذر لمن يزعجه الأمر ولكنها العادة يا سادة وحب الحديث عن التفاصيل الماقبلية والمابعدية والأثنائية في قراءة كتاب ما :)
بالطبع جميعنا مر عليه في صغره السؤال المعتاد ماذا تريد أن تصبح إذا كبرت؟ :)
في ذلك الوقت لم يكن الهدف محددا بعد لكني كنت أحب مجال الدعوة إلى الله والعلوم الدينية وكان لبيئتي بعد الله الفضل في زرع محبة الدعوة والدين بحمدالله ورغم أنه مجال واسع فالدعوة لا تنحصر بصورة معينة أبدا وخدمة الدين قد تكون بكل المجالات -فقط- إن أخلصنا النية ، لذا في المرحلة التي تلت الطفولة بدأ السؤال الذي يشغل بالي ما الذي فعلا أريد أن أكونه؟ هل الدعوة بالطرق التقليدية كالمشائخ؟ هل الدعوة عبر خدمة الناس والمجتمع في مجال العلوم وأعني بها علوم الكيمياء والفيزياء والأحياء واللائي كنت أحبهن جدا؟ أم عن طريق الطب والذي جمع بين محبتي له دعاية الناس له وحماس والدتي لذلك المجال؟
المجالات التي أحبها كثيرة ومتعددة فمذ خرجت للدنيا وأنا أحب القراءة في كل شيء كل ما تقع عليه يدي أقرؤه الأدب العلوم الروايات علم النفس التاريخ السياسة، لكن ما الذي أريده أنا؟ وفي الوقت نفسه ما الذي أجيده أنا ؟ فأنا أؤمن أنه لابد للتخصص في أمر ما أن تجمع بين أمرين لتتخصص فيه هما (القدرة والرغبة) فما هو المجال الذي جمع بين هاتين الخصيصتين؟ في تلك المرحلة ظهر الشيخ المغامسي -حفظه الله- الشيخ المعروف برقة قلبه وتمكنه من علم التفسير فسلب عقلي علمه وأذاب قلبي سمته ورقة قلبه -وهاتان الصفتان لم يكن ليتميز بهما لولا تبحره في علم التفسير بعد الله - حتى استطاع أن يستميلني للاستماع لكل ما يخرج فيه من برامج وإذاعات بل وحتى استطاع وأخيرا أن يجعل أمامي الهدف واضحا فها أنذا أجد نفسي في مجال التفسير أحبه وأنسى نفسي حين أقلب صفحات كتبه ، ولا عجب فحبي للتفسير نما من حبي لكل علم ! فالتفسير يعني أن تقرأ تفسير كتاب الله الذي جمع علوم الدنيا والآخرة فبهذا يستطيع المرء الاكتفاء به وإشباع عقله وقلبه من خلاله ، ومن هنا بدأت تحديد الهدف وأسأل الله -فعلا- أن يأتي اليوم الذي أجدني فيه علما في خدمة هذا المجال ..
وبعد الانتهاء مني نأتي الآن للكتاب :) لماذا اخترت هذا الكتاب أو بالأحرى سلسلة الكتب هذه وهذا الكتاب أولها بالطبع ؟
السبب يرجع أولا إلى أنني سبق وقرأت في التفسير تفاسير أخرى أشبعت جوانب معينة ولكن بقي لدي استفسار دائما ما كان يجول بخاطري ، فكنت أسأل نفسي : هل هنالك مفسر فكر في أن يفسر القرآن بناء على ترتيبه كما نزل؟
وكنت أضع هذا الهدف في ذهني خبأته في مكان ما في عقلي إلى حين آخر ، حين أتقن هذا المجال وأتبحر فيه فإنني سأحقق هذا الهدف وسأطبق هذه الفكرة ولكن سبقني الشيخ الميداني :) -رحمه الله- وتفاجأت بوجود من فكر بهذه الفكرة من قبل لذا قررت مباشرة شراء تفسيره وإشباع فضولي ، لذا كان الهدف الأساسي كما ترون هو هذا الهدف ألا وهو قراءة تفسير آيات القرآن بناء على ترتيب نزولها .
لماذا هذا الهدف؟
في الحقيقة أشعر بأن له جوانب كثيرة مهمة ، منها معرفة كيفية أسلوب القرآن بناء على تدرجه من بداية الدعوة مرورا بالهجرة انتهاء باكتمال الإسلام ونهاية بناء المجتمع المسلم، ما الأسرار خلف آيات القرآن ولماذا كانت الآية هذه قبل هذه وهل كانت الآية هذه قبل أم هذه قبل؟ أشعر بأنها ستلفت نظري لأمور وستدهشني بمعلومات وستعطيني انطباع حقيقي عن كيف بدأ القرآن وأسلوبه ونبرته ثم كيف تغير في مرحلة ما بالتأكيد ستنكشف أسرار أخرى لم تنكشف لمن يقرأ القرآن بالترتيب المعهود ، لذا كان حماسي شديدا ..
نأتي للكتاب مرة أخرى هل حقق لي هذا الهدف؟ بالطبع فهذه هي السمة الأوضح فيه ، ولكنه أدهشني كان يحمل لي مفاجآت أخرى لم أكن أنتظرها وأحمد الله عليها إذ كوفئت بأكثر مما أردت ، حسنا ما الميزات لهذا الكتاب ، سأحاول ذكرها في نقاط :
١- بالتأكيد الميزة الأولى والأوضح كما ذكرنا تفسير القرآن بناء على ترتيب نزوله -وذلك بالتأكيد حسب اجتهاد المؤلف-.
٢- وضوح مفردات الكاتب وأسلوبه المناسب للجميع فلا هو بالصعب ولا هو بالضعيف البنية لذا فهذا الكتاب من الكتب التي لن أخشى ذكرها لأحد واقتراحها له فأنا واثقة بأنها لن تكون دسمة عليه أو صعبة الفهم أو غريبة المفردات فهي تناسب الجميع وتصلح للاستفادة منها لمن يريد شرح القرآن لفئات متعددة .
٣- وجود استنباطات ولطائف جديدة لا أظنها سبقت من قبل من غير الكاتب وهنا يظهر المفسر الحقيقي فربما يستطيع أحد غيره القيام بمهمة البحث عن آيات القرآن ومعرفة ترتيبها ولكن لا يستطيع الجميع محاولة الخروج بمعاني جديدة وبديعة من الآيات خصوصا أن التفسير من المجالات التي أشبعت بالتأليف فأن تأتي بمعنى في الآية لم يسبقك به أحد وفي الوقت ذاته ليس من لف عنق الآية ومحاولة الخروج بالمعنى عن السياق وإنما باستنباطات تدل على حسن التدبر الذي جمع بين الفهم الصحيح والربط بالواقع فهذه ميزة ثمينة .
٤-الخروج من الآيات القرآنية بقواعد رائعة وهذه أيضا لم تأت إلا من طول تدبر وتأمل للآيات وقد ذكر في تفسيره أنه جمع القواعد التي خرج بها من آيات القرآن ووضعها في كتاب خاص وقد حمسني لقراءته في وقت لاحق إن شاء الله :)
٥- طريقة تفسيره كالتالي : تفسير عام للسورة ، ثم تفسير تحليلي لها ، ثم بعد ذلك إن خرج بقاعدة من السورة ذكر القاعدة ثم أتى بشواهد أخرى من آيات أخرى تدل على وجود هذه القاعدة في القرآن وذكرها أكثر من مرة بصيغ أخرى ، وأحيانا يأتي بمفردة ما فيذكر ما الذي يميز هذه المفردة عن الأخرى ولماذا ذكر الله المفردة هذه ولم يذكر تلك ما الفرق الدقيق بين المفردتين بل وكم مرة ذكرت المفردتان وأين ذكرتا والمفردة الأولى ذكرت ضمن سياقات معينة لم تخرج عنها والثانية ذكرت في سياقات معينة لم تخرج عنها والسبب والفائدة خلف ذلك ، فتخرج من كتابه مدهوشا من كمية البحث الدقيقة التي قام بها والاستنباطات العجيبة التي أتى بها والتي بالتأكيد لم تأت لولا بحثه الدقيق وتدبره الطويل .
إذن ظهر لك من خلال هذه النقطة كيف أنها جمعت ميزات وليست ميزة واحدة فتفسيره جمع بين ثلاثة أنواع من التفاسير التفسير الإجمالي والتحليلي والموضوعي ! فعلا عمل كبير يستحق هذا الرجل أن يكرم لأجله بل وللأسف أشعر أن تفسيره مظلوم ولم يعط حقه من الشهرة :(
٦- هذا المؤلف يعتبر معاصرا فأن يأتي بهذا التفسير الرائع وقد سبقه أئمة كبار فلهو شيء عظيم حقا ! كما أن عصريته انطبعت على تفسيره بربطه الآيات بالواقع مما يؤكد لك فعلا صلاحية القرآن لكل زمان ومكان ولكنه كنز يحتاج للتنقيب فهل من منقب ؟ كما أنه لم يترك لي عذرا فعلم كالتفسير أشبع تأليفا وبحثا لا يعني هذا أنه مكتفي بل هو بحر وعلينا دائما أن نحسن الاصطياد فيه فالعلم لا ينتهي لكنه يتجدد ولكن من يحسن حقا أن ينهل منه ؟
٧- وهذه ميزة رائعة فعلا وهي ذكره للقراءات الواردة في الآية والجميل في الموضوع وذلك لمن كان مثلي لا يستميله علم القراءات أنه لا يذكر كل ما ورد من قراءة في الآية من إمالة وقصر وووإلخ وإنما يركز في ذكره لقراءة ما عما إذا كانت تتسبب في تغير في الكلمة في مبناها كزيادة حرف أو نقصه لماذا؟ لأن القاعدة المشهورة تقول التغير في المبنى يغير في المعنى إذن لابد للمفسر الجيد أن يعرف جميع القراءات الواردة في الآية ليبني عليه تفسيره فأحيانا زيادة حرف في الكلمة أو تغيير حرف تجعل الكلمة تحتمل معنيين بالتأكيد هما لا يتضادان بل تعطي كل كلمة منهما للآية معنى دقيق لا تحتمله الكلمة الأخرى مما يبين لك فعلا إعجاز القرآن عبر هذه القراءات وأيضا حسن نباهة المؤلف في محاولة فهمه الدقيق للفروقات والمعاني التي تحتملها كل كلمة .
أخيرا : يتضح لك من خلال الميزات التي ذكرتها أن هذا الكتاب فعلا من عنوانه (معارج التفكر ودقائق التدبر) فلولا طول تفكر ودقة تدبر ما خرج لنا بهذا المؤلف الجيد .
تذكير: وأنا أكتب ملاحظتي الآن لم يبق على رمضان سوى ١٢ يوما تقريبا :) والذي غالبا ما نربطه بالقرآن وبالفعل هو شهر القرآن ، لكني حقا أعتقد أنه بقدر أهمية قراءة القرآن تأتي أهمية فهمه بل أجد أهمية فهمه مقدمة ، فمن فهم القرآن وطبقه خير ممن قرأه دون فهم وتطبيق كمثل الحمار يحمل أسفارا! خصوصا مع تدني مستوى الفصاحة لدينا لا بد من تخصيص قراءة يومية للتفسير والتي هي في الحقيقة قراءة يومية لنصوص القرآن وفهم حقيقي له ، مؤسف أننا نؤمن إيمانا كليا أن القرآن هو الكتاب الأول والأفضل لنا كمسلمين لكن تجد مكتباتنا تعج بالكتب الأخرى ونفتخر بتنوعها وكثرتها وحين نضع الوقت الذي جعلناه لقراءتها في ميزان مع القرآن والكتب المختصة بشرحه وتفسيره أخشى أن كفتها ترجح بالقرآن وتفاسيره :/
جميعنا يدعي محبة القرآن وتقديمه على سائر الكتب فهل فهمناه ؟ هل حينما نمر بالمهيمن الصمد الغسق نحن حقا نفهم هذه المعاني ونستشعرها؟ بل هل فهمنا النصوص كنصوص وعرفنا دلالاتها ؟ أخشى ذلك :/
قبل أن أنهي المراجعة بإذن الله سأبدأ في قراءة الجزء الثاني في هذه السلسلة في رمضان وأظن بأنني لن أكتب مراجعة عنه وعن بقية الأجزاء لأنني أعتقد بأن ما كتبته بالأعلى ينطبق على بقية الكتب أيضا ولكن إن وجدت ملحظا آخر لم أذكره هنا فسأذكره في مراجعة الأجزاء الباقية بإذن الله :)
وأنهي بعبارة رائعة لأحد السلف تقول:( علم ولدك القرآن ، والقرآن سيعلمه كل شيء)
تعلموا القرآن وعلموه والقرآن سيتكفل بتعليمكم كل شيء : )