عزيزي س أظن أنّ علي أن أختار لك اسمًا؛ ليصبح افتتاح الرسائل أسهل،اسمٌ لن تتعرفه،كقيمة مجهولة في معادلةٍ رياضية.ما رأيك في "س"؟ هي ذاتها القيمة المجهولة التي أضاعت من عمرنا عمرًا لنكتشفها دون جدوى،وأنت مثلها تمامًا.
عرفنا الكاتبة جمانة السيهاتي أنها ابنة مخلصة للرواية ولكن في هذا العمل تغير رحلتها نحو أدب المراسلات لتختار القيمة المجهولة (س) لتفتتح رسائلها . طرزت الكاتبة الرسائل بتفاصيل وباء كورونا وفترة الحجر والحظر لتوثق هذه المرحلة من جانب، وزرع فكرة الحب في ظل اجتياح الخوف من جانب آخر. الجميل جدًا أن الكاتبة استغلت أعراض الجائحة في تناول أعراض الحب وكأنها تريد قول: كما للفايروس أعراض متفق عليها كذلك الحب. ربما ما قلل وهج الرسائل غرقها في ثيمة محددة في افتتاحية الرسائل والأسطر الأولى المتشابهة دائما،ولكن ما لفت انتباهي حقًا هو تضمينات الكاتبة كما حدث في قصة الجاحظ وشخصيات رواية العمى وغيرهما لتنثر جرعات ثقافية ممتعة.
"الموت هو المُتاح، أمّا الحياة فتغلق أبوابها في وجوهنا واحداً تلو الآخر، تلوّح لنا تلويحة وداعٍ كل يوم. لكنّنا لم ننتبه قَط، الأموات هم فقـط المنتبهين. الموت هو التجربة الأولى والأخيرة التي تحسم ما احترنا به وقلقنا بشأنه... حتى أماكننا في قلوب الآخرين، حين نموت... نُصبح أعزّاء قَطعاً". ص ٢٢
كتاب "عزيزي س" هو عبارة عن رسائل شاعريّة مميزة إلى المجهول "س". كُتِبَت بقلم الأستاذة المتألّقة جمانة السيهاتي حين عصف وباء كورونا بهذا العالم. في الحقيقة، كنتُ قد نسيتُ الكثير من تفاصيل هذه الجائحة الكونية بعد مرور حوالي سنة ونيّف على انتهاءها، بَيْدَ أنّ الكاتبة استطاعت رسمها لي بشكل جليّ وواضح أكثر من أيّ فنان آخر.
وفي خلال هذه الفترة، شرَعَتْ بالكتابة إلى العشيق س، الذي أرادت أنْ تُقول له ما يجول بخاطرها. لقد تكلّمَتْ جمانة نيابةً عن كل الوجود. عن البحر، عن الحَجَر، عن الشّجَر، عن الطرقات والمنازل، عن الأطفال، عن كلّ ما تسقط عليه أعيننا وعواطفنا. ويبدو لي أنّ لديها الكثير لتقوله إزاء تأمّلاتها الرفيعة في مشاعرها وحياتنا والمدن المقفرة في ظلّ هذه التراجيديا التاريخية.
والجدير بالثّناء حقّاً، هو إخراج الكاتبة للفكرة اللّافتة، وللاستثمار الحقيقي الذي تمّ أثناء هذا الحجْر.