«التفكير مِحنة كبيرة، عندما أنظر في قدر الإنسان وفيما بعد الإنسان، أصير مثل ذئبٍ يعوي تحت القمر، يُمكنني أيضًا أن أرقص، في مدينة المليون حلم على أنغام ريح لطيفة طيبة، أدور وأتمايل كموشور يخترقه الضوء، الفراشات ترتوي من دموعي، والحمام يلقط الحبَّ تحت قدمي.»
يُعبِّر هنا «محمد الفاهم» عن نفسه، وأسرارها، وأحلامها، عَبْر نصوص سمَّاها شعرية فلسفية، ربما تَحمل من الشعر القدرةَ على التعبير، والمعنى الدفين وراء كل لفظة، واستفزازًا نحو الغوص في احتمالاتٍ دلالية لكل كلمة، ومن الفلسفة تَحمل فكرًا، وفكرةً تسير كنَهر، يَشق كل نصٍّ ليَصِله بالتالي، ليمر بعقلنا ووجداننا معًا. إذَن هي بعض أفكارٍ أراد الكاتب أن يطرحها أمام قارئٍ ناقد، لا يُعمِل فيها سياط النقد التقليدي، بل يتأنَّى وينظر ما هي فاعلة فيه أولًا، وهو نوع من الكتابة أشار إليه المؤلف في مقدمته، وهو «الكتابة المركبة»، التي تتعمَّد تحطيم الحدود بين الأدب والفن والفلسفة والشعر والأسطورة والدين؛ فهي تعكس التعقيد بين هذا الصنف وذاك.
مثل هذه الكتابات تأخذني لكتاب جان جاك روسو " هواجس المتنزه المنفرد بنفسه " مع اختلاف في طريقة السرد والتركيب. لكن يجتمعان في الفكرة الأساسية وهي كتابة تلك الخواطر والانطباعات والأحاسيس؛ محاولة اقتناصها وتخليدها. تلك الأسئلة التي نشعر بأنها تتصل بفترة مزاجية معينة لكنها تظل في النفس وتأخذ أشكال متعددة.
ربما لو قرأت الكتاب هذا قبل كتاب روسو لأخذ مني تقييم كامل.
بداية موفقة في مطلع هذا العام. كتاب شاعري خفيف، أنهيته في جلسة واحدة.
"التفكير محنة كبيرة.
عندما أنظر في قدر الإنسان وفيما بعد الإنسان.
أصير مثل ذئب يعوي تحت القمر.
يمكنني أيضًا أن أرقص، في مدينة المليون حلم١ على أنغام ريح لطيفة طيبة، أدور وأتمايل كموشور يخترقه الضوء، الفراشات ترتوي من دموعي، والحمام يلقط الحبَّ تحت قدمي. ما الذي أدركه أو أملكه الآن؟ لا ذاتي ولا العالم، ولا ذاتي في العالم، ولا العالم في ذاتي. أنا كتلة من عدم الفهم البشري. أكبر مجهول بالنسبة لي هو ما يظن الناس أنهم يعرفونه حق المعرفة. الناس مثلًا يفرقون بين الجامد والحي، بينما الأمر يختلط علي، إذ ما من جامد، يبدو لي كل شيء حي. أعظم حكمة عندي هي القدرة على تأمل الحياة فيما هو ميت، والموت فيما هو حي. الآخرون أيضًا يظنون أنهم يعرفون ذواتهم، ولكن أية غرابة أكبر من أن نحمل هذه الروح، كيف يمكنُ أن نضع البحر في جرَّة؟ ثم إن الناس يرون أنهم أسيادٌ ها هنا. في نظري من هذا الذي يستطيع أن يدعي أنه مقيم؟ كلنا مشردون عابرون في هجير الحياة. جئنا لكي نذهب من جديد. تبدو الحيوانات أسعد حظًّا منا، على الأقل هي كائنات خلقت من أجل العيش في الطبيعة، أما الإنسان فهو كائن غريب عنها، يظهر كما لو أنه ليس في موطنه الحقيقي. إن الإنسان يعيش في الطبيعة، ولكن بطريقة غير طبيعية تمامًا. لم يخلق الإنسان لكي يكون إنسانًا، وإنما هو الذي يقرر ذلك".
محمد الفاهم.(2021). مؤسسة الهنداوي. مثل ذئب يعوي تحت القمر. ياللرحلة التي يصطحبنا بها هذا الكتاب، من الابدية الى الفناء، عودة الى هذا الجسد البائس، الذي ينقلنا من مستوى آلهة حتى عبيد. إن هذه النصوص والتي يروق لي تسميتها بالحقيقة تتكلم لغة الحياة، على لسان الحيوانات والمجرات والموت تتكلم. لا بد أن هذه النصوص قد عاشها كل هاوٍ للفلسفة وتذوقها كل محب للأدب، تسجل الأسئلة التي يعجز عن صياغتها كل مراهق، ويتعب العجوز في تبيان أصلها لهذا يلقيها علينا محمد الفاهم كالماء النقي الذي يمحي خطايا كل تفكير مشكوك ويظهر سيمفونية الكون النابضة بروح كل ما يصارع الوجود. اقتباسات: هل ستتبعني وراء استعاراتي؟ أنت الذي" عشت طوال حياتك تخاف من الواقع ومن الحلم معا، ستجد نفسك في هذا اللج المظلم للملح الأسود. فعندما يحكم الأموات الأحياء، كل ما يتبقى لهؤلاء فعله هو تسريع موتهم؛ كي يلتحقوا بملكوت أسيادهم. ولكنني لن أستسلم أو أطأطئ الرأس سوى لليراع في يدي. "ماذا تفضلون؟ أن تكونوا ظلالا للجبال السامقة، أم صخرة في المنحدر
تماما كما ترفع تلك الحجارة من ضفاف النهر، حيث توجد مستعمرة من اليرقات" غارقة في سبات حي، كذلك رفعت الجزء المرئي من الكون، فوجدت الحياة الأخرى التي ترقد في استسلام َ عذب لقدر الكون. ماذا يمكن أن أحلم به؟ الحب لقد أذبته في ملح البحر، الحب ذاته الذي لا يقوى "قلبي عليه؛ لأنه منهك من الجمال، أحببت الحجارة الباردة التي ستوضع فوق قبري،
كان الكتاب رفيقي اليوم في السفر للجامعة، انهيته قبيل الوصول بثوان، يذكرني الكتاب برحلتي مع الحياة؛ رحلة عنيفة الخطو شوية أو شويتين مع بطئ الأثر، أسلوب الكاتب كان رقيق للغاية وأعتقد أن هذا السبب وراء غرامي بهذا الكتاب، فحتى التساؤلات التي تنغص على الإنسان عيشه بدت رقيقة في الكتابة فجعل من مشاعري أن جمعت بين النفور والرضا لهذه الحياة، جميل جميل جميل.
مثل هذه الكتب، ومثل هذه الفلسفة؛ تأخذني إلى عالَم هادئ، صامت صمت القبور في الليل، لا يوجد صوت ولا صداه. أفكاري تتجسد أمامي، عبارات لكثرة ما أحبها اقرأها عشرات المرات، وعبارات لكثرة ما تلقي فيّ من حزنٍ ووحشة أحتفظ بها، لتذكرني بأن هناك من يعرف ما يدور داخل دوامة دماغي. مثلي، مثل ذئب يعوى تحت ضوء القمر، لا صوت يتردد سواه، لا يجد من يؤنسه ولا يعرف كيف يعبر عما بداخله؛ سوى بالعواء. هذه أفكاري، تعوى داخلي كل يوم، لا زمن لها أو مكان. كل ما تعرفه أنّ هذا ما يؤنسها، وأنْ تعرف أنني -أنا القمر- لها دائمًا، دون أن تشرق الشمس عليّ أو تُشغلني النجوم.
يصنف الكتاب تحت بند نصوص شعرية فلسفية. بالنسبة لي، وجدت تلك النصوص أبعد ما تكون عن الشعر، بل إنها تكاد لا تمت له بصلة لا من قريب ولا من بعيد، ولا بأس في ذلك. تركت محاولة ربطها بالشعر ولجأت للفلسفة كما هو مذكور، لكني لم أجد ذلك أيضًا، ولا أدري ما نوع الفلسفة المشار إليها في تلك النصوص.
وجدتها نصوصًا تحوي أفكارًا متنوعة: بعضها يطرح نظرة جديدة بشأن موضوع معين، والنوع الآخر أقرب لمشاركة أصوات العقل دون تنقيح أو تعديل. هناك التقاطات ذكية تحاول تحريك الماء الراكد، حيث تمزج جدية المواضيع بالسخرية والتهكم في الطرح، وهي حركة ذكية للغاية. كأنها نصوص تشاركك الهذيان الذي يصاحبك قبل النوم، حيث يدفع بك نحو الجنون ولكنه لا يخلو من أفكار ثورية يجب عليك أخذها على محمل الجد لأنها قد تبني مجدك.
قد أختم بقول أن تلك النصوص تشير لشيء ما أو لأشياء عديدة، لكن ربما ما ينقصها هو إعادة الكتابة والتنقيح لتخرج بأسلوب مختلف عما هي عليه الآن. هنا أشارككم ما استوقفني من التعبيرات الأخاذة:
"أنا أعرف أن الوجود ورطة، شرك لا خلاص منه أبدًا حتى في العالم الآخر، ولكنني مع ذلك سعيد بهذه الورطة، طبيعتي تحب الأسرار وأكبر سر هو طبيعتي". "الحب هو الخدر الذي شعرنا به من وخز الحياة". "ضجيج الواقع لا يحتمل، وحده صمت المقابر يعلمنا معنى الحياة". "أكبر مجهول بالنسبة لي هو ما يظن الناس أنهم يعرفونه حق المعرفة". "كل ما هو جميل سيصبح يومًا ما بشعًا ومخيفًا. كل ما هو جميل سيبتلعه يومًا ما جوف العدم". "هل سنعتبر أن كل معاناة الجنس البشري ستنتهي بالخلود الأرضي الذي يعدنا به العلم، أو بالخلود السماوي الذي يبشرنا به الله؟". "وماذا لو ظهر فيروس قميء صغير وقفت البشرية عاجزة أمامه؟ أو تراجع القمر إلى الوراء واختفى نهائيًا من ليالينا، هل سيبقى هناك من ضريح يحج إليه الشعراء؟ الحياة شبيهة ببيت عنكبوت، مشدود إلى خطين رفيعين، هما الرعب والرجاء". "هل يمكن للغة أن تقول كل شيء؟ الجواب على ما أعتقد هو لا، ولكن مع ذلك هذه هي المهمة المستحيلة للشاعر، إنه يصارع طيلة حياته من أجل تطويع الكلمات كي يتمكن من قول كل شيء". "لدينا اليوم مِزَق من المعرفة، أما المعرفة ذاتها فقد ضاعت، مزق من الحياة، أما كلية الحياة فقد تبخرت، لدينا السنوات التي مضت وليس الزمان، لدينا فيض هائل من المعلومات وليس الحقيقة، تراكم كبير في خطابات الحب، وليس الحب ذاته". "نعم، الحياة هي المرض الذي نسعد به جميعًا". "الألوهية حاضرة في كل مكان، فيما هو قريب وما هو بعيد، في صدوع الحياة وفي ندى النجوم". "هذا الذباب أيضًا، كيف لي أن أدرك سر وجوده، وأنا لم أدرك حتى سر وجودي الخاص؟".