كان أحد موظفي بريد الإمبراطورية بلباسه الرسمي، يجول على فرسه بين الوجوه المارقة السريعة التي تشبه الظلال، يبحث عن شخص يُدعى (آق ديلك بيك)، يبلغ من العمر سبعة وأربعين عاماً. يحمل إليه فرماناً ممهوراً بختم الإمبراطور الأعظم وحروفه الأولى.. ح. ع. ب، نافذاً دون رجعة، ويقتضي تعيين الأول والياً عسكريًا للسعيدة، عطفاً على رسالة طلب تدخل واضحة وصريحة مدموغة بتوقيعات أكثر من مائة زعيم محلي. أُرشد الموظف إلى ظل رجل مقعٍ بوجهه إلى الحلقة النحاسية للعارضة المقنطرة، وللوهلة الأولى اعتقد حين رآه أنه حاوٍ، أو مروض قرود، وعلى أكثر الاحتمالات كلفة وصدقًا: قواد ظل الطريق إلى نفسه. نزع الوالي المحتمل، وهو في مكانه، الأنبوب الفضي من غطائه المختوم بالشمع الأحمر، واستخرج عريضتي التعيين. مدّ في أوراقها اللدنة، فبرقت لأول مرة، في حياته العملية، كلمة السعيدة. أخذته همهمة صغيرة، فهز رأسه، حين قال: السعيدة.. حتى أنه لا يبدو اسم بلد.
يصدف أن تقرأ عمل روائي يمني غني بالثقافة والتاريخ والموسيقى والأطباق والأزياء. وفي الحقل المحترق أعطى هذا التمازج توليفة رائعة للعمل، تدرك منه ثقافة الروائي بمختلف الفنون . رغم تعدد الشخصيات فيها لكن انطلق السرد نحو شخصية الوالي العثماني ورحلته التي قادته لمصيره في البلاد التي سميت السعيدة وكان وقع الاسم عليه أنه " لا يبدو اسم بلد" ، ليجد شعبها ” كريم لكنه يقدس الطغاة “ وفي الجانب الآخر يقف الحاكم تاج الدين صاحب الملامح الضفدعية الذي يتبع مبدأ " أن الشعب لا يستقيم إلا بالصميل " .
قسم العمل لقسمين، القسم الأول تتناول مسيرة آخر والي عثماني في اليمن قبل سقوط الخلافة وحياته الحافلة بالفحش والخمور والقسم الثاني يبدأ بسيرة الملك الصعلوك الفاسد أمير المؤمنين في السعيدة . كان الحوار الأخير في الرواية هو القنبلة التي أودت بذلك المصير . "- ما الصنيع الذي قادك تتحول من والٍ إلى يهودي ؟ - ذات البلد الذي قادك لتتحول من قاطع طريق إلى ملك .