"أليس من المؤسف أن يُحكَم على الإنسان بتحمّل تمزّقات لا حدّ لها طيلة تاريخه؟ جسده يصبح كفنه وسجنه، الحياة والموت يرفضان العرب. لا يتمكنون من المقاومة حتى الرمق الأخير ولا من العيش بكرامة في بلادهم. بلادنا سفينتنا وكفننا، آلامنا عميقة كالبحار التي نبحر فوقها، سفينتنا دون مرساة وقلوبنا بلا أمل."
📖 عودة الطائر إلى البحر - حليم بركات
ما الذي يجمع بين "الطائر الهولندي" والإنسان العربي عموماً، والفلسطيني خصوصاً؟
لكن، أولاً، ما المقصود بالطائر الهولندي؟
الطائر الهولندي هو اسم سفينة أشباح ملعونة، مستوحاة من أسطورة أوروبية قديمة، حُكم عليها أن تظل هائمة في البحر إلى الأبد، لا ترسو، لا تهدأ، لا تجد مرفأً ولا خلاصاً.
في هذه الرواية البديعة، يستعين حليم بركات بالميثولوجيا والنصوص التوراتية ليصوغ مرآةً لحال الإنسان العربي والفلسطيني تحديداً، في لحظة مفصلية من تاريخه: نكسة حزيران.
فبينما كان الأمل يملأ صدور الشعوب العربية باستعادة فلسطين وعودة اللاجئين إلى أرضهم، يتبدّى الواقع أكثر شبهاً بأسطورة الطائر الهولندي؛ التيه بلا أمل.
"العودة إلى البحر" ليست عودةً للنجاة، بل رجوعٌ إلى مجهول مفتوح، إلى التيه ذاته الذي انطلقت منه الرحلة. الرواية تتجاوز الحدث السياسي لتصير تأملاً وجودياً في الهوية، والانتماء، والخسارة التي لا يمكن تسمية حدودها.
في ضوء الاهتمام المتجدد بما بعد النكسة، وما تلاها من تحوّلات عميقة في وجدان الشعوب العربية، أظن أن هذه الرواية تستحق إعادة قراءة وتأمل، خصوصاً في هذا الزمن والمتغيرات التي نعيشها.
وقع الرواية كان مؤلماً عليّ خصوصاً بعد الحرب التي مررنا بها في لبنان، وفي ظل شلال الدم المستمر في غزّة، لأنّ الأحداث والمشاعر التي عشناها متشابهة إلى حد كبير وكذلك نتائج الحرب، لكن آنذاك كان العرب جسداً واحداً، أما اليوم فهم جماعات متشرذمة، وأصوات متفرقة، بل وشامتة أحياناً.
وأتساءل:
لو كان حليم بركات بيننا الآن، ماذا كان سيقول عن واقعٍ صرنا فيه بلا سفينة ولا شراع، بلا وحدة ولا أمل، نعود إلى البحر لا بحثاً عن الخلاص، بل لأن اليابسة لفظتنا؟