اسم الرواية : هاتف المغيب
المؤلف : الأستاذ/ جمال الغيطاني
عدد الصفحات :294
دار النشر : دار الشروق
الطبعة الأولى : 2008
التقييم : 3.5\5
" كان يا مكان يا سعد يا إكرام, يا سادة يا كرام يا مستمعين الكلام, ما نحكي ولا نِنّام إلا لما نصلي على النبي بدر التمام, كان في قديم الزمان و سالف العصر و الأوان .. "
هذه العبارة الإفتتاحية للحكايات الشعبية المختلفة هي أنسب ما تُفتتح به الكتابة عن رواية "هاتف المغيب" التي جاءت كأبناً شرعي للأدب العربي القديم, و مُحدثاً له بقدر .. رواية من عبق ليالي ألف ليلة و ليلة التي آثرتني ولازالت منذ طفولتي و حتى الآن, كتبت هذه الرواية مُتضمنة سمات الأدب العربي الأبرز و هي : العبارات القصيرة, الكلمات الموزونة المُحكمة, الأحداث الغرائبية الشيقة التي إنتفضت من خيال خصب, عبقري, تلك الأحداث مُرتبطة و مُتلاحمة مع الأحداث المُحزنّة (الفراق, تأمل المِحال, ثم الحنين و الإفتقاد), و الوحي (الهاتف) الذي يُقلّب و يُنقِّل أحداث الرواية على نحوٍ شديد الإثارة, و الأسفار, و وصف الصحاري, و أيضاً أهتم الغيطاني بـ( وصف الطير, و وصف النساء).
تبدأ الرواية بذكر ما كان من نبأ أحمد بن عبد الله المصري الذي أمره هاتف دب في نفسه أن أرحل صوب مغرِب الشمس, فخرج من بيته في الجمالية و عند مسجد الحُسين وجد قافلة تتجهز, سألهم عن وجهتهم قالوا الغرب, فركب معهم, و في القافلة كان وحيداً مع غرباء لا يعرفهم فاقترب منه آمر القافلة, و عرفه بنفسه و أهمية الرفقة و الصحبة في الترحال و السفر, أحس منه أحمد بن عبد الله من الألفة ما جعله يُنهي عُزلته, حكى له آمر القافلة عن حكاية أبوه و أخوته الثلاثة, و أنه مصري من جزيرة في ملتقى النيل بالبحر المتوسط أسمها تنيس, معروفة بأنها الجزيرة التي يؤخذ منها زيت البلسان الذي يُجدد عمر المرء فكأنه ولد من جديد, و أن شجر البلسان هذا إذا فنى من الجزيرة فسوف يطغى البحر عليها و تنتهي, و أن الجزيرة محط العصافير, و أخذ منها حريراً نُسج كقماط للسلطان !. آمر القافلة كان قريباً من والده الذي كان عالماً بالطيور بكافة أنواعها, و يؤكلها و لا يأكل لحومها ولا يحبسها أبداً, و ذات مرة كانت أبنة ملك بلغار قد أحبت طائر و هامت به, لكن كلما نجحت في الإمساك بواحد أو إثنين من فصيلته, لا يمكثان في القفص أو أي مكان مُغلق عدة ساعات ثم يموتوا, و أرسلوا للشيخ لعله يعرف سبب موت تلك الطيور, فقال أن سبب موته هو أنه لا يقدر على العيش بغير طيران, فطلبوا منه أن يعمل شئ لكي يُبقى هذا الطير مُقيداً و حيّاً في آن, و يُحققوا له النعيم مُقابل ذلك, فرفض لكي لا يحمل وزر سجن طائر حر!, و قال أن تلك فيها خيانة للطائر و هي خيانة لجنس الطيور بأكمله, فغضب ملك بلغار عليه و إنقطعت قوفلهم عن زيارة مصر, و غضب أمراء مصر عليه, و غضب أبنه الكبير من تصرفه هذا, ثم أتهمه أحد الأمراء أنه تزوج من يمامة!, فحزن لذلك, و مات, و هو يظن أن الله سيُعذبه بذنب طائر ظمأ لم يسقهِ! .. و بعد موت الوالد تفرق الأخوة الأخ الكبير كان عنده ولع بالنساء, و جمال الوجوه و تفرد القدود, و مغايرة الأجساد فسافر في الأنحاء يحاول الإبحار في بحور النساء, الثاني كان له دراية بحرفة البناء فقال أنه سيمضي إلى البلدان المُختلفة ليُقيم في كل منها بناء يبقى لمدى الدهر, الأخ الثالث الأصغر قال أنه سيطوف بأضرحة الصالحين و الأولياء, أما آمر القافلة فقد أنطلق للتجارة و الكسب, يقول أنه مرة قبل أن يُسافر في تلك القافلة نزل إلى مدينة تُدعى "بلخ" كان بها شجرة هائلة الأغصان, ضخمة الجزع, لابد من أربعين رجل مفرودي الأيدي, متشابكي الأصابع ان يُحيطوا ها دائرياً, ثمارها مُختلفة بعضها في حجم حبات البطيخ و بعضها الآخر بحجم حبات اللوبياء !, إذا تناول الرجل إحداها فإنه لا يُلِّم به داء لمدة سنتين, و إذا لحست العاقر لحاءها فإنها تحمل ولداً ذكراً, و إذا مرّ بها المُسافر و ألقى التحية فإنه يعود إلى الموضع نفسه, كان عند تلك الشجرة شيخ هَرِم, حينما قابله, قال له أن سيُقابل ثلاثة : أولهم في خليج القاهرة و الذي سيطلب المعونة, و آخر سيُسدي نصيحة عليه ان يعمل بها, و الثالث سيطلب منه حمل رسالة ولابد أن يحملها .. و كان أحمد بن عبد الله هو أولهم !
و كان في القافلة رجل "من أهم رجال القافلة" يُدعى الحضرموتي, كان يعرف علم النجوم الميقات, يعرف علامات الجدب و النماء, إذا سُئل عن مدينة دل على موقعها بدقة كبرى, و له خبرة بدروب الصحراء, و قادر على التصدي لعصابات قطع الطرق, يضع حول خنصره خاتماً من العقيق أو الياقوت عليه صورة عقرب مادام هو يلبسه لا يقترب من القافلة عقرب لمسافة سبع أميال من النواحي كافة, و الذي كان سبب إنضامه للقافلة أن طيراً أزرق حط أمامه, و كلمه بلسانٍ آدمي بأن يُرافق شاباً يخرج من جزيرة تنيس ولا يفترق عنه أبداً, و هذا الحضرموتي كانت له أسفاراً كثيرة, مرة كان في واحة الداخلة, و أعجب ما رأت عيناه فيها أن في الواحة عينان متجاورتان إحداهما باردة و الأخرى حمئة, تتجه الأولى صوب الأرض المزروعة بينما تتجه الثانية إلى داخل البيوت, و جاء الواحة رجلاً هارباً من الوادي, مطلوباً لثأر, استجار بأهل الواحة فأجاروه, لكنهم أشترطوا عليه أن يُقيم بعيداً عن البيوت لأنه أعزب, و ألا يستحم في العين الحارة لأن ماءها يدخل البيوت و تغتسل به العذارى, و تحاشياً لأي مشكل عاش بعيداً عن المعمور, و كان يعمل في الأفراح يحمل صواني الأكل, و يرش الماء أمام البيوت, يغسل الأواني في المضيفة, و في المأتم يطوف بالقهوة, و يحضر حلقات الذكر, و ذات يوم صحا في الفجر باكراً,غلبه الحنين إلى حمام دافئ, فاستوثق خلو الجهات, و تلفت حوله, خلع ثيابه و نزل الحوض, شيئاً فشيئاً بدأ يعتاد الحرارة المُرتفعة, تسربت عبر مسامه إلى عروقه, إلى أقصى شعيراته, إلى مكامن تعبه, و بدأ يغوص في سخونة وثيرة, غطى الماء رأسه, حمله التيار المُتمهل عبر القناة المؤدية حتى انحشر في حمام بيت مأهول و مات, و منذ ذلك اليوم كفت العذارى عن الإستحمام بماء تلك العين خوفاً من الحمل, أما النساء العاقرات فعندهن إعتقاد قديم هنا بأن من تستحم قبل شروق الشمس بالمياه الدافئة تحمل بعد لقاءها بزوجها بشرط أن يستمر البلل بماء العين, ثم و عندما بدأ يشعر أحمد بن عبدالله جواً من الألفة و العلاقة في القافلة أمره الهاتف بان أرحل, بينما يقص المُدوِّن لقصة أحمد بن عبدالله قصة هي من أعجب قصص الرواية هي أن رجلاً و إمرأة و طفلهما الرضيع كانوا يتجهون جنوباً عبر الصحراء لسبب لم يوضحوه لأحد, ثم ثقل و طال عليهم الأمد و ظهرت وعورة الطريق, نفذت مؤنتهم, و طرق الضعف أجسادهم أما الأم فلشدة وهنها ماتت, فيما حمل زوجها طفلهما لثلاثة أيام, لم يكف خلالها الطفل عن البكاء, أو يكف لثوانٍ عدة إذا ما قربه أبوه من صدره على الوضع الذي اعتاد في أن يقرب الثدي, و سرعان ما يكتشف بعده عن الحلمة المُشتهاة, لكن ما من رائحة لصدر الأم, فتعلو صرخاته, ولا ينفع معه هز ولا هدهدة, قرب منتصف الليل بدأ بكائه يخف, يتقطع, يبدو نحيلاً متسلخاً, ذاهباً, تتسرب روحه على مرأى و مسمع أبيه, شغله حال ابنه, سمع صوت أمه تهيب به أن يفعل للطفل شئ, لكن ما معه من ماء ولا زاد, ركع الاب ضعفا و عجزاً, و عيناه تحوي ابنه الذاوي فوجئ بهسيس خافت يسري داخل عروق صدره, كأنه طابور نملٍ دقيق مُتتابع, قشعريرة لم يشعرها من قبل, سرسوب نحيل يخرج من حلمته, إنبثق حليب صافٍ نادر, علا صراخ الوليد متنسماً ريح اللين الطازج .. و عندما ترك أحمد بن عبد لله القافلة وجد نفسه في واحة تدعى "أم صغير", لا يعرفها عتاة الأدلة في الصحراء, أهلها مائة و أربعون لا يزيدون ولا ينقصون, كل طفل يولد فهذا نذير بأن شخصاً سوف يموت, لم يستقبلوا ضيفاً منذ سبعة أجيال, و خلال هذه المدة الطويلة لم يصلهم أي مخلوق من البر, و عندما عرفوا أن هذا الغريب لا ينوي أذى خرجوا في إستقباله حتى يلقى كل عناية, و عندما قابله كبير الواحة الذي يضع على رأسه طاقية خضراء إشارة إلى نسبته إلى الرسول الكريم, أتفق على أن يعمل في الجامع يعلم الناس أمور الدين, و قال له أن الناس في الواحة عرفوا الإسلام من أمد غير بعيد منذ 14 جيل فقط قبله كانوا يعبدون الشمس و القمر, و من قصصهم المُتداولة أن أحد عقلائهم شرع في تدبير يُبطئ به حركة الفلك تمهيداً لوقفها عند حدٍ معين, و بالتالي تحقيق الأزلية لسائر الموجودات, أعد أحجبة مثلثة و مُربعة و خصلات شعر إناث لم يمسسهن ذكور و أجزاء من أجسام حيوانات و دفنها في الأرض, ثم تلا تعاويذاً و تمائم, ثم أمضى أوقاتاً طويلة في تلاوة تعابيراً بلغات شتى, و يقول الناس أنه كان قاب قوسين أو أدنى, لكن وقع شيئاً ما أى به إلى الصمت و التحديق دائماً في اللاجهة, و أدى عمله فيما بعد إلى اضطراب الفصول و شذوذ الاوقات, و صارت الشتاء تتداخل مع الصيف و الصيف مع الشتاء, و الليل احياناً يقصر و أحياناً يطول و أحياناً يستمر لمدة أيام و كذا النهار ! و قد يتعاقبان في لحظات, و صارت النساء يحبلن في أربعة أشهر أو خمسة أو سبع أو تسعة أو عشرين شهراً, و ثمة هنا قصة عجيبة : أن أماً ظلت حُبلى بأبنها مدة خمس سنوات, و حين نزل من بطنها نزل مُكتملاً, و عُد من الخوارق الغريبة لأنه مشى فور أن نزل, و قَبَّل ضريح الشيخ الذي دعا أهل الواحة إلى الإسلام, و في نفس اليوم ماتت طفلة جميلة, خضراء العينين ذهبية الشعر صامتة دائماً, و بكاها الطفل طويلاً حتى مات .. ثم تعرف أحمد بن عبد الله على شيخ هَرِم يُدعى قصاص الأثر, هو أطول الناس عُمراً و خالدا في الدنيا, يُقال أنه حضر عام الفيل و حارب في غزوة بدر مع الرسول, و حارب التتار, و انسحب من غرناطة قبل تسليمها إلى ملك قشتالة, و سعى إليه ابن حنبل و الدارقطني و النسائي و ابو هريرة ساعين إلى ما معه من أحاديث الرسول, و عند أهل الواحة إعتقاد أنه من حفظة الواحة و من علاماتها الأصيلة, وإليه تسعى العاقرات لكي ينجبن, الطريف أن حيوية تسري فيه كلما اقتربت منه إمرأة, يقول الناس أنه رغم كبره قادراً على الإنجاب, و ما يمنعه من ذلك إلا أن حشرة تسربت إلى ملابسه و قرصته في مقدمة إيره, فسبب له هذا تضخماً فيه على نحوٍ هائل .. يُمكن له أن يتعرف على آثار الاقدام و إذا كان المار ذكراً أم انثى و عمره و لونه .. إلخ إلخ. ثم أحب أحمد بن عبدالله في الواحة و اكتشف سحر الحب الحقيقي, أن المرأة يكون ما قبلها وهماً و تكون هي مقياس لما بعدها, و ما في سحر الحب الأول من مُشغفات اللمسة الأولى, القبلة الأولى, الشعور الأول, و عندما حملت الأم كان لابد من أن يرحل أحد أفراد الواحة و كان الأب هو الراحل بأمر الهاتف الذي نداه في الليل أن أرحل, فخرج الأب في الصحراء الظلماء, لا يعرف أين سيأخذه الوحي, ثم فوجئ بجماعة من فتيات و شباب و مسنين تقف و تترقبه, و عند إقترابه منهم شعر بخيفة و توجس فيما بعد عرف أن هذا طقس و تقليد عتيد عند هؤلاء القوم الذين يختارون حاكمهم بالصدفة, الذي يمر من طريقه الذي سلكه و هم واقفين ينتظرون يعدونه ملكاً عليهم, و يلقبون ملكهم بابن الشمس, و صار لباسه من جلد العصافير, و كل ما يقوله أمراً, حتى تأملاته و حكمه تُكتب و تُدرس لطلبة العلم و تُبسط للأطفال, و حينما أفضح عن حُبه للنعناع حرم على العامة و صار له هو كل النعناع في الإقليم, و نُقشت بصورته التماثيل و الرسومات, و من يقترب منه فقد صار مُباركاً يُتبارك به, و من تحظى بليلة واحدة معه تصير راهبة منذورة إلى الشمس, و وجد في هذا الإقليم من العجائب بأن ثمة بشريين هم أولاد رجل و عصفورة !, و أن ثمة رجل هو ابن رجل و عروس البحر, وذات يوم بينما هو مع جارية من جواريه أحس منها بخشوشاناً في صوتها, فطلب له الحكيمة فقالت له على السر الأليم : ان الفتاة في طورها إلى التحول إلى رجل !!, رجل ؟! كيف ؟ قالت له أن هذه هي السُنة في الإقليم هنا, أن الفتيات يتحولن إلى ذكور, و الذكور يتحولوا إلى فتيات في الطفولة أو المُراهقة و أحياناً في الكهولة, يخف على نفسه أن يجرى له ذلك, و يظل على خوفه, إلى أن ينقلب الإقليم كله و يسوده القلق بأن ثمة جنود يتجهزون للإغارة على الإقليم, ثم يامره الهاتف بالخروج, فيخرج, يصل إلى إحدى واحات الصحاري مُنهكاً, و مُسناً, و مُقترباً من الموت, يامر صاحب الواحة بان تُدون قصته, و يدونها جمال بن عبدالله ..
قلما تنقبض أنفاسي أو أقشعر عند قراءة شئ, لكن حين تأتي إشارة الهاتف أقشعر و أهتز .. كلنا تأتينا هواتف في لحظات مُعينة شديدة الخصوصة و التفرد, و علينا أن نُطعه, لأننا في الحقيقة -طوال حيواتنا- لا نعرف ما المسار الصحيح الذي علينا أن نسلكه, كل قراراتنا تخص مدد قصيرة من أعمارنا قد تُخطئ و قد تُصيب و حتى إن أصابت فإنها لا تُحقق المرجو تماماً, و لا تُحقق لنا السعادة المرجوة طيلة حياتنا, فيما يأتي هذا الهاتف قوياً مُحدداً خالياً من أي تردد, أقوى من أي قرار تُلزم به نفسك, "يأمر ولا يُناقَش", يُلقي إشارته مرة واحدة فقط, و عليك أن تختار ان تُطعه أو لا تُطعه, لو لم تُطعه فانت كما أنت, ستعيش حياتك تتخبط, و لن تُحقق أكثر مما سوف تُحقق, و لن تًصيبك الأقدار إلا بما يُناسب حجمك, لأنك لم تجرؤ على الإقدام نحو المجهول الذي سوف يُغير حياتك .. الهاتف هو الإقبال على المجهول و أنت مؤمن أن هذا المجهول فيه خيرٌ لك, حتى لو كان الظاهر أن فيه حزن و شجى .. إنه ليس القدر, القدر الذي يُصيبك و أنت في محلك, إن الهاتف مُختلف, الهاتف يشير إلى قدرك, الذي تذهب له أنت بقدماك. لهذا لم يصف الغيطاني حياة البطل قبل الهاتف الذي أمره بالسفر نحو المغرب, بل أوردها في إشارات سريعة, كأن حياته قبل الهاتف كانت صفراً لا قيمة له, و الهاتف هو الذي أعطاه الحيياة الحقيقية و الإقدام على السفر في الصحراء مع غرباء صاروا فيما بعد أصدقاء, و عَلَّمه أحدهم علوماً لم يكن يعرف عنها شئ ساعدته على السفر وحده في الصحراء حين أمره الهاتف بذلك, لكي يصل إلى واحة أم صغير و يلقى حُبّه الأول, ثم حين أمره الهاتف بمُفارقة الواحة و زوجته الحُبلى به وهبه المُلك على إقليم شاسع جداً, لباسه من جلد العصافير, و ملكات يمينه بالمئات, يتبدلن بعذروات لم تُمس كل ليلة كأنه ولج الجنة و فاز بحور العين, و من تفز بليلة معه, تُنذر إلى الشمس و تصير مُقدسة يُتبارك بها, كلماته التي يقولها للناس تُجمع و تدوّن ليحفطها طلبة العلم و الأطفال و يحفظها المُسافر إتقاءً لمخاطر السفر, و نعتوه بـ(إبن الشمس), الستائر في قصره تحجب نور الشمس و القمر, و المُبعدين حينما يجلسون بجانله تقف قلوبهم من المهابة و الفرحة.
كنت أظن أن الهاتف سيؤدي به إلى نهاية عجيبة فنتازية على نمط قصص ألف ليلة و ليلة, لكن -و هنا تبدت عبقرية الغيطاني- أنه خان كل الظنون التي تخيلت النهاية, طاف به الوحي بالبلاد و الصحاري, و قابله بالمئات من الناس, و آراه ما لم تراه عين, و أحزنه بالفراق و نَعمّه بمتع الملك الوافرة, ثم أمره بالخروج من مملكته, و عندما خرج صوب وجهته الأخيرة, و كان الإنهاك قد بلغ به مداه, و أقترب عمره من خط النهاية و الزوال, تبدى له مقصد الهاتف, و هو ما شعر به في أعمق أعماقه ألا و هي نعمة الرضا !, إنه كان في مصر و خرج, آسى لوعة الفراق, و كان له في الواحة أهل و أصدقاء و زوجة و جنين أبنه و تركهم, صار ملكاً له من متع الدنيا ما يُزهد بها عن مُتع الجنة و ترك مملكته, لكنه في النهاية شعر بالنعيم, ذلك النعيم كان يحوطه دائماً طوال مسيرته, لكنه لم يستطع الشعور به بسبب موجات الحنين إلى كل تلك الذكريات !.
.. الهاتف يأمُر, و البطل ينتقل, و يتحقق مثل (بلاد تشيل, و بلاد تُحط), و كل بلد بقصة, و كل سفر بهاتف, و كل سفر بحنين إلى الواجهة السابقة خاصة و كل المحال المُتعلَّق بها عامةً.
من سلبيات الرواية :
1- إنها أطالت كثيراً في الجزء الخاص بالمملكة, فقد وردت صفحات لم يرد فيها سوى أسماء الطير و أوصافه كأنه ذكراً لها و ليس سرد يلتحم مع قالب القصة, و وردت صفحات أخرى فيها أحواله مع النساء لم يرد بها أيضاً أي جديد يُقدِّم السرد, على عكس الجزء الخاص بواحة (أم صغير) الذي كان فياضاً بالأحداث الشيقة, و موزون الوصف .. أقصد انني بعد صفحة 124 عرفت أنه صار ملكاً بالصدفة, و ظللت بعدها بثمانين أو مائة صفحة أسأل : ما الذي سوف يحدث له بعد ذلك ؟ أم إن الرواية ستنتهي هكذا ؟! .. الغيطاني كتب يُحاكي الحكاية الشعبية التي اهم ما يُميزها التقلب و التناقض و فيها تُستخدم الفانتازيا و الغرائبيات لتقليب الأحوال على نحوٍ مُثير و غير معقول, لكن إلى حدٍ ما أستخدمت الفاناتزيا بقصص جانبية بحد ذاتها, وليس في سرد الرواية نفسها.
2- غلاف الكتاب لا يمت لموضوع الكتاب بصلة, رُغم أنه جميل, لكنه عبارة عن صورة لعلماء أتراك يدرسون و يجربون و يقيسون و يُدونون, ولا علاقة للرواية لا بتركيا ولا بالعلماء !