الحمراء هو اسم لسيدة عرفها المؤلف فى طفولته الأولى واكتشف حين بدأ التدوين أن كثيرات ممن فتن بهن وأثرن فيه وبقين فى ذاكرته ونفسه كن فقط "رشحات" منها. هى الأصل وجميعن فروع، جميعهن ترديد واستعادة لبعض تفاصيلها.
كان المؤلف يراها في صباه تجيء من أعلى من فوق السطح عابرة أسطح البيوت المتلاصقة لتخدم في البيت الذي نشأ فيه. إنها المصدر الاول لتجربة الوجود الأنثوي بكل حضوره الطاغي.. "إنها جوهر القرين.. أول خفقة.. مفتتح المادة كلها.. رغم طرحتها يميل شعرها الناعم السبساب الطويل إلى صفرة مختلطة بحمرة مع سواد مؤكد.. فإذا رأيت شقراء قلت مثلها واذا وقعت عيني على فاحمة السواد نسبتها اليها.. فكأنها لون الالوان ... اسمها الحمراء.. وللاسم حضور طاغ". كما يقول الغيطاني في موضع من الكتاب..
من أعلى تجىء فجأة تظهر فوق السطح حيث أعواد البوص وأقراص الجلة، والقدور الفارغة. سلالم بدون حاجز، تصل ما بين الفناء والفوق، البيوت متجاورة متصلة كل منها يفضى الى الآخر عبر حواجز واطئة من الطوب اللبن، كل بيوت جهينة مبنية منه، بتراصه وتماسكه، عدا منزل الحاج صالح العمدة ومنزل آل الضبع فمن الحجر، بيوت الافراد المنتمين الى عائلة واحدة متضامة، تبدأ فاصلة أفسح، تليها منازل عائلة أخرى.
لن أُنكر إعجابي ببعض ما جاء في الكتاب من إلتقاطاتٍ بارعة وأوصاف وتأملات بديعة ، ولكن في المقابل حَفِلَ بأشياء حجَّمت ذلك الإعجاب بل جعلته ينقلب تبرما وضيقًا يكاد يصل إلى النُّفور. أول تلك الأشياء لغة الكاتب وأسلوبه الذي يغلب عليه إن جاز التعبير "التفذلك والتحذلق" فالكاتب يورد ألفاظا وتعبيرات مقعرة واشتقاقات لفظية غريبة غير مطروقة ،ما كان ليضره لو أعرض عنها وأتى بالمألوف والمستساغ،ناهيك عن الأخطاء النحوية التي تتعثر فيها بين الحين والآخر. ثانيها هو الولع الشديد بالجنس وبالحديث عنه كلما سنحت فرصة أو لم تسنح ،فأنا لا أفهم ما مدعاة الفخر والزهو في حديث المرء عن تردده على دور البِغاء وتفصيل ما كان يفعله هناك ،بل لا أفهم ما الداعي الذي دعاه لذكر هذا أصلاً. كما يظهر أيضا خلال القراءة أن الرجل يحمل بين جَنْبيه طاقة "شبق كظيم" كبيرة -والتعبير للدكتور فاروق عبدالقادر-يسير بها أينما حل وارتحل ،فحتى النساء اللائي جمعته بهن ظروف العمل العابرة كانت تدفعه رغباته إلى نَيْلِهنّ، وهو ما كان يوقعه في المواقف المحرجة -كما يحكي-وليت شعري ما الذي يجعل الإنسان يكتب هذا عن نفسه ثم يُذيعه على الناس ؟!..بل أذكرُ أنني ضبطني أنطق دون وعي مني كلمة اعتراضية في أكثر من موضع كان صادما لي ،احْتلتُ في تفسير أو تبرير إيراده فلم أفلح. ولأن الشيء بالشيء يذكر ،فقد صادفتني أثناء القراءة مقالات للناقد الأدبي د.فاروق عبدالقادر تناول فيها أعمال الغيطاني ومن الطريف أن وجدت إتفاقا بيني وبين الدكتور فاروق في الاعتراضات التي سجلها على كتابات الغيطاني . قبل الشروع في القراءة كانت فكرة الكتاب تروقني وتشوقني إليه لكني بعد الدخول فيه وإنهائه لم أجد إلا خيبة أمل كبيرة.
بعد ان انتهيت من قراءة (( رشحات الحمراء )) للغيطاني ، قرأت تقييمات القراء للكتاب ووجدتها كلها متحاملة علي الكتاب ، حتي ان هناك من اتهمه انه رجل عجوز يروي غرامياته السابقة ، وهناك من تساءل ما الفائدة من الكتاب ، وهناك من قال انه لم يفهم فكرة الكتاب . بعد قراءة دقيقة ، اقول : انه لم يكن بالرجل العجوز الذي يروي غرامياته ، بل كان الرجل الحكيم ، الذي وصل قرب النهاية فاستخلص الحكمة المقطرة من كل امرأة ، او كون ، قد قابلها . فهي رواية اسميها ( خيط الحرير الخفي ) فقد قابل الحمراء الريفيه ، في صباه ، ثم جاءت تجاربه مع الانثي بعد ذلك تجليات وفيوضات لهذه الحمراء . الحمراء في رأي هي حواء الخاصة به التي فُطر وفُطم عليها ، وفي ثنايا الكتاب او الرواية الذاتية نري كل هذه العلاقات تصب عند هذه الحمراء الام. هذا هو في رأي خيط الحرير الخفي . كل رجل له حواء خاصة به . فابحثوا في ذاكرتكم عن حوائكم حتي تروا خيط الحرير الخفي !
بداية هذه مراجعة ادبية وليست محل اصدار احكام اخلاقية او فتاوى .
للغيطاني أسلوب مميز في السرد ، أحب اسلوبه عامة ذلك الاستطراد والانتقال من نقطة لأخرى وحميمية حديثه كحديث صديقين على مقهى ، تلك اللغة التى تستجلب لذهني القاهرة المملوكية والحوانيت الضيقة ورائحة البن.
الغيطاني في أغلب تداوينه يحدثك عنه عن خلجاته وعن أفكاره ، كتاباته لا تحتوى على جديد فهي صدى لأفكاره في أغلبها لكن تعبيره عنها هو ما يجذب الذهن ويجعلك مأسورا بكتاباته، حديثه عن الروائح ، عن الطعام عن المعمار وحديثه الأكثر عن الانثى ، عن التكوين عن اللقاء ، دفاتر التدوين أغلبها عن النساء ، هنا يخلص إلى فكرة طالما كنت موقنا بها من قبل وهي وحدة الخط الرابط بين كل النساء في حياة شخص ما ، هناك أصل وهناك صدى لذلك الأصل يلوح من فترة لأخرى حتى تدرك أنه مجرد صدى لتلك البعيدة القريبة التى ملكت ذهنك فجعلتك لا ترى في غيرها سوى صدى لها هذه هي الفكرة التي يحاول ايصالها لنا من خلال حديثه عن عديد النساء اللاتي قابلهن ، هو اذا ليس مجرد حديث للتباهي.
يتابع الغيطاني سرد غرامياته التي يعتبرها مهمة جدا للأجيال القادمة للدرجة التي تجعلها تستحق أن توضع لا في كتاب واحد ولكن في سلسلة من 7 كتب !!!!!!!!!!!!
طبعا من حق الكاتب تماما أن يتفاخر بعلاقاته الغرامية.. و من حقه تماما الحديث عن فحولته اللامتناهية.. و من حقه تماما الحديث عن الشعاع الذي يخرجه من عينيه فيجعل كل الفتيات صرعى هواه..
و من حقي كقارئ أن أحتقر مثل هذه الكتابات التي لا يخرج القارئ منها بأي فائدة في حياته.. سوى إضاعة وقت الفارغ في قراءة قصص حب مراهقين..
إنها تلك المرحلة التي يظن الكاتب أن أي شئ يحدث في حياته هو بالأهمية الشديدة بمكان ليسجله لتسير على هديه الأجيال القادمة !!! مع أن الحقيقة ان حياته لا تهم أحدا! انا كقارئ أهتم فقط بما يطرحه الشخص من فكر و لا يعنيني بشئ كونه قد ضاجع مئات الفتيات!!!!!!!
للأسف اشتريت المجمموعة لحبي لكتابات الغيطاني لكن الآن نادم بشدة على أموالى الضائعة فيها..
الغيطاني يحكي ويحكي ويحكي ربما لا يوجد أي مبرر للحكيّ غير كونه رجل عجوز يتلذذ بحكايات صباه - الحقيقي منها والمتخيل - بدون رابط بين الحكايات رغم محاولته للبحث عن رابط غير مرئي
أحب سرد الغيطاني في المطلق، هو كاتب رائع بالنسبة لي حتى وإن كان لا يفعل سوى الثرثرة