فلما كانت معرفة الله تعالى أول ما يجب على الإنسان في دينه، وكانت هذه المعرفة - لا تتم على الوجه الأكمل- إلا بمعرفة أسمائه وصفاته وأفعاله في خلقه، والإيمان بتلك الأسماء والصفات والأفعال، وإقرارها، إذ بها تعرف الله إلى عباده سبحانه.
وعلى الرغم من هذا كله قد تعرض باب الأسماء والصفات لعواصف شديدة هُوجٍ منذ زمن طويل، فنقلت تلك العواصف أشياء كثيرة من أماكنها، وألقت بها في غير مواضعها، فتغيرت بسبب ذلك مفاهيم عديدة، فالتبست مسائل هذا الباب على كثير من الناس، حتى عجز أغلب طلاب العلم عن التمييز، بين الحق والباطل، فربما انعكس عليهم الأمر فرأوا الحق باطلاً، والباطل حقاً، مع العلم أن معرفة الله التي لا تتم إلا بمعرفة أسمائه وصفاته، هي زبدة دعوة الرسل، وخلاصتها، وعندها تلتقي جميعها مع اختلاف مناهجها وشرائعها، لأن جميع الرسل إنما أرسلوا ليعرفوا الناس ربهم وخالقهم فيعبدوه في ضوء تلك المعرفة، فلما كان باب الأسماء والصفات بهذه المثابة، وله هذه المكانة- وقد تعرض مع ذلك للعواصف التي وصفتها، ووصفت آثارها - جعلت موضوع رسالتي لنيل درجة (الدكتوراه) إن شاء الله معالجة مباحث هذا الباب، بعنوان: (الصفات الإلهية في الكتاب والسنة النبوية في ضوء التنـزيه والإثبات)، نعم هذا هو السبب الذي من أجله اخترت هذا الموضوع، لأني تأكدت أن مسائل هذا الباب لم تكن محل عناية ودراسة اليوم -كما يجب- وأن العقيدة السلفية صار يجهلها كثير من شبابنا، ويتصورونها بغير صورتها، ليس العقيدة السلفية (التفويض المطلق) كما يظن كثير منهم، وليست هي تلك الحيرة التي يسمونها (الوقوف) كما يظن البعض الآخر، بل هي شيء آخر وراء ذلك كله، ولكنها سهلة وواضحة كل الوضوح إذا فهمت على حقيقتها، إذ ليس فيها أدنى غموض وهي بريئة من التعقيد والتفلسف.
كتاب هو في الأصل رسالة جامعية، أقل ما أقول عنه أنه فريد ومفيد. قرر فيه عقيدة السلف الصالح (أهل السنة والجماعة)، ورد على شبهات الأشاعرة والمعتزلة وغيرهم من الطوائف التي أولت النصوص على غير مراد الشارع بناء على تصورات ولوازم باطلة لا تليق بالله عزوجل. طبعا كل ذلك بالأدلة الصحيحة من الكتاب والسنة النبوية وأثار السلف الصالح، بالاضافة إلى حسن تعبيره وتأليفه وترتيب المواضيع. رحمه الله وغفر له وأسكنه الفردوس الأعلى من الجنة.