الكتاب دا بيمثل تجربتي الخامسة مع د.فؤاد زكريا..و تاني كتاب في نفس الموضوع بعد"الحقيقة و الوهم في الحركة الأسلامية المعاصرة"......لكن الكتاب ده مستواه أعلى و تحليله أعمق و محتواه أكثر تماسكاً و ترتيباً
من المدهش-والمؤسف بنفس القدر-أن نقد فؤاد زكريا لمسار لحركة الأسلامية مازال فعال إلى حد كبير برغم مرور 30 سنة على نشر الكتب دي.....و ده-في ظني- بيرجع لسببين:
1\صحة أراء فؤاد زكريا في أن الصحوة في نسخة النصف الثاني من القرن العشرين-و لا سيما بعد وكسة 67-مريضة في جذورها و أساسها...يعني هي لم تنحرف عن مسارها لأنها منحرفة أصلاً في ظهورها ذاته..فما بني على باطل فهو باطل......من السهل أن الواحد يشوف أن كلام ده فيه تحامل شديد على الظاهرة يخرج عن حدود الموضوعية لكن الأطلاع على التحليل الكامل و دقته و توزيع عناصره هيلاقي ده مش صحيح أطلاقاً.
2\صحة نقد فؤاد زكريا للمناخ الفكري العام بأعتباره متخلف تماماً...و النتيجة هي فساد معتم في أراء نقد الحركة الأسلامية يوازي تماماً فساد أراء أنصار الحركة....النقطة المحورية في ظاهرة التخلف العام دي مردها إلى أن الجميع بينظر للتراث نظرة لاتاريخية....بمعنى أن الأسلاميين بيعتبروا التراث هو المفتاح لحل مشاكل الحاضر في حين أن معارضيهم بيبصوا ليه بأعتباره سبب المشاكل المعاصرة بالكامل و العقبة في طريق الحل...بأختصار الجانبين بيتعاملوا مع التراث بأعتباره كيان قائم بذاته خارج الزمن بينافس الحاضر و بيقدم نفسه كبديل ليه...بينما النظرةالتاريخية السليمة-بقول السليمة لأنها نفس اللي تعاملت بيها أوربا مع تراثها أثناء نهضتها-بتستدعي النظر للتراث كمرحلة زمنية مرت و أنتهت و تركت أثارها الأيجابية و السلبية على الحاضر و لازم نستلهم منها ما يفيد بمقاييس العصر و ننقد منها ما لا يزال فعال من أثارها السلبية كخطوة ضرورية للعبور لبكرة.........الرأي دا تحديداً أنا شاهد عليه شخصياً لأني جربت الجانبين و التحليل ده صحيح 100%:لما كنت في داخل التيار الأٍسلامي-حتى و أن كنت في يساره بل أقصى يساره-كان التراث بيقدم الفردوس المرتجى و اليوتوبيا المنشودة و اللي أكتشفت فيما بعد أنها وهم لأ أقل....لكن لما عديت السور للجانب الأخر بقيت عامل زي دون كيشوت بصارع طواحين الهوا و بنقد حاجات و بضخم من تأثيرها المتوهم على الحاضر قبل ما أكتشف أن أغلب الناس تجهل وجودها أصلاً و أنها-برغم سخافتها و أهتراءها-مجرد خيالات متوهمة ملهاش وجود في الأرض....و بعد الرحلة الطويلة وصلت لقناعة بأن قراءة الواقع بشكل أوضح و توجيه الجهد لهدم أصنامه الحقيقة هي الطريقة الفعالة الوحيدة للتغيير
الكتاب ده عظيم و يستحق الأهتمام بجدارة....و كمان محتاجين بشدة عقليات بكفأة فؤاد زكريا في أيامنا دي