قرأت ثلثه في اليوم الأول (يوم الخميس)، ولما انشغلت في عطلة نهاية الأسبوع عن قراءته، ظلَّ بالي مشغولًا به، واشتقتُ إليه -رغم غيابي عنه- اشتياقًا يشبه اشتياقَ المرابطين للساحة حينما كانوا يغيبون عنها للضرورة ويعودون.
هذا كتابٌ يُقرأ بالحسرة، ويُختم بالحسرة والندامة على كل اللحظات التي فاتت ولم نكن فيها حيث كانوا، على العمر الذي قضيناه في غفلةٍ، فأوجدَ اللهُ الشهداءَ ليوقظوننا منها، ولا أدري أيفلح ذلك حقًّا أم أننا نتأثر لحظيًّا ثم نمضي في الحياة كمن لم يقرأ أو يسمع شيئًا.
أتساءل طوال قراءتي: ما عذري؟ وأسمعُ (العمر) إجابةً أولى فأُخرسُ ذاك الصوت، فالكثيرون ممن كانوا في مثل سني حضروا ولبّوا وفدوا بأنفسهم، ولا يسعني حين أذكرهم إلا أن أخجل من نفسي، ومن كل عذرٍ أحاول إيجاده، فكل الأعذار واهية.
وعند آخر فصلٍ سألتُ نفسي: هل يولدُ الشهداءُ شهداءً أم أنَّهم يصيرون شهداءً فيما بعد؟ أرى أنَّ كل شيء يشير إلى شق السؤال الأول إجابةً عنه، وما الذي يمكن أن ينتج عن ذلك غير الأسف في قلبِ من لا تؤهله حياته لأن يكون شهيدًا؟
يا رب.. إن لم تكن الشهادة في سبيلك رزقًا قد عُجنت به طينتي، فقلبي الذي لا يزال يُصنع على عينِك يرجوها، فغيِّر بحسنِ حالِكَ سوءَ حالي، ورشِّفني كأسَ شهادةٍ لا أظمأ بعده أبدا، وَثَبِّتْ لي قَدَمَ صِدْق عِنْدَكَ مَعَ الْحُسَيْنِ وَأَصْحابِ الْحُسَيْنِ اَلَّذينَ بَذَلُوا مُهَجَهُمْ دُونَ الْحُسَيْنِ عَلَيْهِ السَّلامُ.
كابدتُ عناءً بالِغ الصعوبة لإكمالِها، رغم أنّي قرأتُ أحداثاً تفوقُها دمويَّةً وسوءًا لكِنها مُنفردة في كافة الجوانِب في طريقةِ تضرّم الألم فيك في الدّموع التي تتدفّق من عينيك. أنهيتُها ولم أكن على مِثل الحالة التي بدأتها ..
"ماذا لو سُمح لنا يوماً أن نقتسم رغفياً في القافلة .. نعطيهم العمر كله .. وهم يعطوننا .. لحظة الإخلاص ؟"