What do you think?
Rate this book


97 pages, Unknown Binding
First published January 1, 2016
-إنّ هذا الذي يعترض على الإله أنه يطلب العبادة إرضاء لحاجة أو نقص، إنما يقدّم اعتراضه لأنه مسكون بنزعة الأنسنة، فهو لا يسمح لعقله أن يتصوّر أنّ الطلب لا تحرّكه رغبة استكمال الحاجة وسد ثغرة، فالإنسان لا يتحرّك - عادة
- للطلب إلّا ليُسَدَّ نقصًا ويُكَمِل ناقصًا، ولذلك يظن المعترض أنّ هذا الأمر مطّرد في كلّ طلب، وفي كلّ عالم .
وصواب الأمر هو أن نقول (معرفة النوازع أو المقاصد من معرفة طباع الذات)
************
-والأمر مطّرد في باب العبادة، فإنّ حب العبادة لا يلزم منه أن يكون المحب في نقص وحاجة؛ فإنّ الحب ليس محض حاجة إلى الزيادة.
************
-إنَّ اللّه - سبحانه - لم يأمر العباد بما أمرهم به لحاجته إليه، ولا نهاهم عنه بخلًا منه، بل أمرهم بما فيه صلاحهم، ونهاهم عمّا فيه فسادهم.
************
-وقال ابن رجب: (إن اللّه تعالى في نفسه غني حميد.
لا حاجة له بطاعات العباد، ولا يعود نفعها إليه، وإنما هم منتفعون بها. ولا يتضرر بمعاصيهم، وإنما هم يتضررون بها).
************
-كمال العبودية تابع لكمال المحبة، وكمال المحبة تابع لكمال المحبوب في نفسه، والله سبحانه له الكمال المطلق التامّ في كلّ وجه، الذي لا يعتريه توهّم نقص أصلًا ، ومَن هذا شأنه فإن القلوب لا يكون شيء أحبّ إليها منه.
************
-إنّ الإنسان في عالم البشر يرى ضرورة الثناء على الأعمال الجليلة الرفيعة، فكيف - إذن - لو ارتقينا من عالم البشر إلى الحديث عن الذات العليّة، وخرجنا من أعمال البشر القاصرة إلى أعمال الذات الكاملة؟!
ثم، إذا كانت أعمال صالحي الخلق تستحق الثناء والتبجيل، فكيف بمن الأعمال الصالحة كلّها قبسٌ من صنع الفطرة التي فطر الناس عليها؟!
************
-قال الحسنُ لرجلٍ: داوِ قلبك! فإنّ حاجةَ اللهِ إلى العبادِ صلاحُ قلوبهم.
************
-العبادة في الفهم الشعبي المادي، حركة صاعدة من الأرض بلا توقّف، ودون صدى، ولذلك تستحثّ المعترض أن يسأل: «لماذا يطلب اللّٰه منّا أن نعبده؟!
بخبرنا الشرع - في المقابل - أنّ روح العبادة مناجاة العبد ربّه، وتقرّبه منه، ومقابلة ذلك ببذل الربّ لخلقه الرحمة والودّ. فهي إذن علاقة تقابلية، وتواصل متّصل.
************
- أصل الإشكال - فيما يبدو لي - أنّ الإيمان البارد بعظمة الخالق، إيمان تجري ألفاظه على اللسان، لكنّه لم يخرج من قلب متفكّر، فإنّ من يطلق لناظريه عنان السياحة في هذا الكون العظيم، الأنيق، الباهر، المفرح، سيدرك عظمة الجليل، وأنّه الأحق بالحمد والشكر، وأنّه الأوحد الحقيق بأن يُعبد حبًّا ورهبة.
************
"إنّ حركة الإنسان الطيّعة التي تتوجّه مع أمر الله ومشيئته، تتوافق مع حركة الكون الطيّعة لأمر الله ومشيئته، فإذا تحرّك الكون جبرًا لأمر الله وتحرّك الإنسان طوعًا لأمر الله، تحقق التألف بين أجزاء الوجود، ووَجَد الإنسان في وجوده معنى الاستقامة وخرج عن مفسدة النشوز والمغالبة للسير الطيّع للأشياء."
“وبالمصابرة على عبادة الله ينجو الإنسان من عبادة غيره؛ فإنّ عبادة الله تقابل عبادة غيره ولا تقابل حريّة الإنسان، فالإنسان منجذب بالعبادة أبداً، فإما أن يعبد الله، أو يعبد غيره، كالأهواء والأشخاص والهيئات... ففي عبادة الله تحرّر كامل من عبادة الزيف والزور.”
"وليبلغ الإنسان مرحلة الوعي الكوني بنفسه فهو يحتاج أن يعرف خالق الكون، ولن يحقّق معرفته بالخالق حتّى يَصِل نفسه به ويقترب منه اقتراب مَنْ يبحث عن دفء خلاصه. وطريق هذا التواصل الداني هو التفكر في الذات العليّة، واللهج بالتسبيح بعظمتها وجمالها، والسير في طريق رضاها؛ وذاك هو مفهوم العبادة."
"إنه ذاك الحنين الدائم المهيمن على القلب إلى النبع الذي يروي عطش الروح ويروي غلتها الدائمة في صحراء فائظة يتخللها السراب من كل جانب وتذروها الرياح كلّ حين فتعيدها بلقعًا وإن زهت ألوانها حينًا. إنّ التدين - الحقّ - هو الانجذاب العفوي إلى واحة الأنس حيث تتخفّف النفس من وعث الغربة ملبيّة نداء الشوق إلى سجية الفطرة الأولى التي لا كدر فيها ولا غبش."
“وحتى يدرك الإنسان المبدأ والمنتهى لا بدّ له من معرفة حقيقة العبادة، ومظاهر نبضها. يقول ابن تيمية: «العبادة هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة. فالصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، وصدق الحديث، والامانة، وبرّ الوالدين، وصلة الأرحام، والوفاء بالعهود، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والجهاد للكفار والمنافقين، والإحسان للجار واليتيم والمسكين وابن السبيل والمملوك من الآدميين والبهائم، والدعاء، والذكر، والقراءة، وأمثال ذلك من العبادة. وكذلك حب الله ورسوله، وخشية الله والإنابة إليه، وإخلاص الدين له، والصبر لحكمه، والشكر لنعمه، والرضى بقضائه، والتوكّل عليه، والرجاء لرحمته، والخوف من عذابه، وأمثال ذلك هي من العبادة الله»”
"إنّ الإنسان الذي يعمل صالحًا في هذه الحياة بإعانة المحتاج وكفّ يد الظلم عن الضعفاء، دون أن يربط فعله بمفهوم الطاعة للخالق، لا يحقق معنى الاعتراف بموقعه من الوجود"
“العبادة طريق للتميز لاستحقاق الجزاء والرفعة:
الحياة الحقة رحلةٌ لغايةٍ، وحياة الملحد عبثٌ صرفٌ يعبّر عنه الفيلسوف الملحد (كونتن سميث) (Quentin Smith) بقوله: «إنّنا جئنا من لا شيء، بلا شيء، لأجل لا شيء»!
وإنّ من أعظم أوجه الحكمة السعي إلى غاية محمودة بجهد وجدّ، وبذلُ غاية الوسع لتحقيق الرجاء."


...