الرواية الإماراتية الفائزة بالمركز الثالث - جائزة راشد بن حمد الشرقي للإبداع 2020
جاءت رواية أحد ما يطرق الباب لتبين أن الكاتب يستنفر علمه وثقافته وفلسفته ولغته الخاصة لخلق نصوص فكرية درامية بأسلوب أدبي يتفرد به وفنية عميقة خلاقة تنبع من القلق الروحي والنفسي والعقلي. ، ويتفاعل مع محيطه ويتغلغل في البحث عن المجهول والتاريخ وطقوس الكتابة والروايات الالمية ليوثقها في روايته ليؤرجع القارئ بين الوجودية والعبثية ويؤكد بأن الرواية شرفة تطل على الفوضى النفسية والخارجية.
تمتاز الرواية بالنفس السردي الواحد رغم تهشم الخط الزمني فيها بالانتقالات التي كانت إما عن طريق الفلاش باك أو بتكنيكات مبتكرة تخدم السرد ليجعل من نفسه بطلا في الرواية ويمزجها بين الواقعية والحيالية وإن كانت تقارب الواقعية السحرية في العالم الحكائي.
الروايات بحد ذاتها مجرة أخرى في فلك القراءة، لها عجائبها وغرائبها، هناك الروايات التي ما إن نقرأها، نجدها تغرس فينا نشوة الإلهام والحماسة لترقب المزيد، وهناك الروايات الأخرى التي توقد الرعب ليحرق الفؤاد من شدة الخوف. وهناك صنف آخر من الروايات تتلاعب في الزمان والمكان وكأنها ستكون تحفة فنية! وهناك طريق آخر من الروايات تحس بأنها أغرب الطرق من صياغتها الروائية الأغرب وهذا ما أجده بالنسبة لي في الرواية الفائزة بجائزة راشد بن حمد الشرقي للإبداع، التي تحمل طارق الباب المزعج في نفس الروائي المنهمك في كتابة الرواية.
مثلما نعتاد من الكاتب عبيد بو ملحة بأنه يصطحبنا في روائعه عن ماضي إمارة دبي وأشياء تقترب من القلب لن يفهمها سوى من عاش المدينة بتفاصيلها في الماضي ليدخل البرواز إلى حاضرها، وهو ما أصبح واضحا وجليا في روايته سوق نايف ولربما زعامة منطقة حمدان. ونعتاد أيضا منه في غرس خيالاته عن المشهد الثقافي وما تصبو إليه الكتابة وهو ماتجلى في طقوس الموت التي يعاني منها الروائيون بين كاتب خلف الشاشات وكاتب داخلها يوبخ الروائي.
وإذا مامزجنا بين العبق في أصالة سوق نايف وطقوس الموت من الروائيين، ينتج هذا العمل الغريب الماثل أمامنا. فبينما ذلك الطارق المزعج يطرق الباب، يحاول صاحبنا الروائي أن يذكر محاسن الزمن الجميل أو يطرح موضوعا متعلقا بحياة الكتاب التي تحاصر بالصعوبات. مستعينا بمشاهد واقعية عاصرها الكاتب. ولن أمانع في قول أن هذه المشاهد شاهدتها بعيني إما في ماض جميل أو في المشاهد الأدبية الثقافية. حتى وجدتها أقرب إلى قلبي لولا بعض المشاهد المقززة..
رواية تنبض بالانتظار، وتهمس أكثر مما تتكلم. لا تصرخ بأحداثٍ كبيرة، لكنها تزرع فيك أسئلةً لا تغادر بسهولة: من الطارق؟ وماذا لو لم يكن هناك أحد؟
لغة عبيد بو ملحة هنا هادئة كالمساء، عميقة كالصمت. كل جملة تبدو بسيطة، لكنها تُخفي خلفها طبقاتٍ من المعنى، كأن الكاتب لا يحكي قصة، بل يرسم حالة إنسانية يعيشها كل من وقف يومًا أمام بابٍ مغلق في حياته.
الرواية تأملية، رمزية، خفيفة في صفحاتها وثقيلة في معناها، تُشبه مرآةً تريك ملامحك حين تكون وحيدًا، تنتظر شيئًا لا تعرف اسمه